عن الخطير والأخطر وفق منطق الصواب ومنطق العبث

السبت 04 يوليو 2020 03:58 م بتوقيت القدس المحتلة

تذكّرهم بالمخاطر الكامنة في عالم السياسة اليوم، فيطلقون أبواقهم كي تساوي بين المخاطر، أو تقدم الأقل خطرا على الأكثر خطورة؛ تبعا لقناعاتهم، أو لنقل هواجسهم بتعبير أدق.

لم يعد من الأسرار السياسية في المنطقة أن معسكر الثورة المضادة قد منح تركيا "أولوية" العداء راهنا. وإذا كان خطاب الكراهية والتحريض قد تصاعد أكثر فأكثر بعد هزائم حفتر في ليبيا، فإن الموقف لم يكن مختلفا قبلها.

ويكفي أن تراقب الخطاب الإعلامي الرسمي وفي مواقع التواصل للمعسكر إياه، حتى تدرك الحقيقة دون عناء.

خلال سنوات ليست طويلة؛ تذبذب خطاب المعسكر المذكور في توصيف الأعداء، وترتيبهم؛ على تفاوت بين عناصر المعسكر، إذ لم يتفقوا دائما في التوصيف، كما هو حال اتفاقهم اليوم على جعل تركيا هي العدو الأهم.

بعد نجاح الانقلاب على الثورة المصرية، اتفق المعسكر المذكور على أن محاربة الربيع العربي وتجلياته، وتبعا له ما يسمى "الإسلام السياسي"، هي الأولوية الأولى، وبقي على ذلك لبعض الوقت. ثم تغير الموقف إثر سيطرة الحوثيين على صنعاء نهاية العام 2014.

هنا تقدم المشروع الإيراني كأولوية في المواجهة، وانطلقت إثر ذلك "عاصفة الحزم"، التي رحّبت بها غالبية الأمة، بما في ذلك قوى "الإسلام السياسي" (السنّي)، وقطر وتركيا إلى حد ما (قطر شاركت في التحالف).

لم يشمل ذلك مصر التي أيدت "عاصفة الحزم"، من دون مشاركة فيها، ومن دون اتخاذ موقف عدائي من مشروع التمدد الإيراني، الأمر الذي مثّل موقفا بالغ الأهمية بالنسبة لإيران، فحياد مصر (الدولة الأكبر عربيا)، ليس أمرا عاديا.

استمر هذا الموقف لثلاث سنوات تقريبا، لكنه ما لبث أن عاد أدراجه من جديد، ليضع "الربيع العربي" و"الإسلام السياسي" في مقدمة الاستهداف.

وعلى هذه الخلفية تم حصار قطر، ومن ثم بدأ مسلسل العداء لتركيا في التصاعد، ليبلغ ذروته بعد اغتيال جمال خاشقجي رحمه الله، وصولا إلى الدعم التركي لحكومة الوفاق في تركيا.

القوى الإسلامية لن تظل أسيرة اللحظة، وهي إذا وجدت جدية عربية في مواجهة المشروع الصهيوني، مع لجم المشروع المذهبي الإيراني، فإنها ستقبل التعاون، وستتجاوز جراحها.

نفتح قوسا كي نقول إننا نتحدث عن أولويات، فتقدم الخطر الإيراني، لا يعني تغييب الخطرين الآخرين، والعكس صحيح، لكن السياسة أولويات في نهاية المطاف، وحين يتركز المجهود على أولوية معينة، فمن الطبيعي أن تهمّش الأخريات، وإن بقيت المواجهة معها قائمة على نحو من الأنحاء.

وحين تختلّ الأولويات، ويتم تقديم الأقل أهمية على الأكثر أهمية، لا تكون النتيجة غير التيه وتعزيز الخسائر.

اليوم يتم تقديم تركيا في مسلسل العداء. ولا يحدث ذلك لأنها تمثل خطرا على الأوطان والشعوب، ولا على العالم العربي، ولا لأنها ستستعيد الخلافة العثمانية كما يقال، بل لسبب واضح يتمثل في دعمها لقوى "الإسلام السياسي".

والنتيجة هي عودة أنظمة الثورة المضادة إلى النظر لفكر الربيع العربي، ممثلا في الإصلاح السياسي بوصفه الأكثر خطورة عليها، وليس على الأوطان والشعوب، وذلك في ظل رفض هستيري لأي إصلاح سياسي، أو مصالحة عملية مع الشعوب، ولنلاحظ أن قوى هذا المعسكر لا تسمح بأي تسلل لفكر الإصلاح أو الحرية، بما في ذلك الحد الأدنى من حرية تعبير.

تركيا لن تستعيد الخلافة العثمانية، ولا مجال لذلك في ظل عالم اليوم، لكن إيران قصة أخرى، إذ إن خطر مشروعها حقيقي، رغم حقيقة أنه يواجه الفشل على نحو من الأنحاء.

أما الأهم من هذا وذاك، فيتمثل في أن معسكر الثورة المضادة لا زال يغيّب خطرا أكبر، يتمثل في خطر المشروع الصهيوني، الذي لم يعد يخفي أحلامه بالهيمنة على منطقة تنهشها الصراعات البينية، وذلك بعد النجاح المأمول في تصفية القضية الفلسطينية.

أيهما أخطر على مصر راهنا؟ هل هو المشروع الصهيوني أم تركيا أم الخطر الإيراني، أم سد النهضة؟ الحق أن المشروع الصهيوني هو الأكثر خطورة، وهو ذاته الذي شجّع إثيوبيا على خطوتها، ثم يأتي بعده الخطر الإيراني إذا نجح.

أما تركيا، فالتفاهم معها ممكن إلى حد كبير في مواجهة الخطرين المشار إليهما، وينطبق ذلك على السعودية بكل تأكيد.

الأهم أن القوى الإسلامية لن تظل أسيرة اللحظة، وهي إذا وجدت جدية عربية في مواجهة المشروع الصهيوني، مع لجم المشروع المذهبي الإيراني، فإنها ستقبل التعاون، وستتجاوز جراحها.

من جديد نقول: خلل الأولويات يمثل كارثة، وما يجري راهنا يؤكد ذلك على نحو واضح. إلى متى يستمر ذلك؟ لا ندري.