هل تتصادم تركيا مع مصر في ليبيا؟

الأربعاء 22 يوليو 2020 12:12 م بتوقيت القدس المحتلة

حملت الأيام القليلة الأخيرة تطورات هامة في الأزمة الليبية، لا سيما فيما يتعلق بالدور المصري.

فبعد أيام قليلة من استقبال السيسي وفداً من قبائل ليبية قالت الرئاسة المصرية إنها دعته للتدخل عسكرياً في ليبيا، أقر البرلمان المصري تفويضاً للسيسي باتخاذ جميع الإجراءات اللازمة للحفاظ على الأمن القومي المصري، بما في ذلك "إرسال عناصر من القوات المسلحة المصرية في مهام قتالية خارج حدود الدولة المصرية للدفاع عن الأمن القومي المصري في الاتجاه الاستراتيجي الغربي"، وفق ما جاء في بيان البرلمان

يعني ذلك أن هناك الآن غطاءً قانونياً وسياسياً داخلياً لأي تدخل مصري محتمل في ليبيا، بعد أن كان السيسي اعتبر في خطاب سابق له أنه "باتت تتوفر له الشرعية الدولية".

لا شك في أن تفويض البرلمان يعدُّ إجراءاً احترازياً وتسويغياً وليس بالضرورة إشارة على خطوة تنفيذية قريبة، لكنه بالتأكيد يثير علامات استفهام حول الخطوات المصرية المقبلة في ليبيا. ولأن القاهرة منخرطة أصلاً في الأزمة الليبية بعدة أشكال بما فيها القصف المباشر، فإن التطورات الأخيرة توحي بإمكانية رفع سقف ومستوى هذا التدخل.

الاحتمال الأول أن يكون هدف ذلك الردع أكثر من الفعل، وإبقاء الأمر ضمن الأدوات المتاحة مستقبلاً، وهو هدف مقصود لذاته في العلاقات الدولية والأزمات الشبيهة. لكن السيناريوهات المحتملة تشمل كذلك نشر قوات على الحدود، ودعم بعض القبائل الليبية تسليحاً وتدريباً، والقصف من الجو، ونشر قوات داخل الحدود الليبية في المنطقة الشرقية بعمق محدد، وغيرها من الخيارات، فيما يبقى الانخراط العسكري الكامل احتمالاً ضئيلاً، وغير ضروري أصلاً وفق المعطيات الحالية وفي المدى المنظور.

تتحدث التصريحات المصرية مؤخراً عن تركيا و"المرتزقة والمليشيات التابعة لها"، رغم أن أنقرة لم تنشر قوات بأعداد كبيرة على الأراضي الليبية، واكتفت حتى اللحظة بتقديم الدعم الفني واللوجستي لقوات حكومة الوفاق. ما يعني أن أي تدخل مصري عميق سيكون في مواجهة قوات ليبية، وهو ما سيعقد المشهد أكثر ويقلل من هذا الاحتمال، لما له من تداعيات محلية وإقليمية وحتى دولية.

كما أن هناك حجاجاً مهماً يقدم في مواجهة السردية المصرية، وهو أن التهديد الأكبر للأمن القومي المصري اليوم يأتي من سد النهضة وليس ليبيا، لا سيما وأن سرت (التي لم تدخلها قوات الوفاق) تبعد أكثر من 1000 كلم عن الحدود المصرية، إضافة إلى أن ما تصفه القاهرة بـ"مليشيات إرهابية" هي قوات تابعة لحكومة منبثقة من اتفاق دولي ومعترف بها من الأمم المتحدة.

لكن، وفي كل الأحوال، يبقى هناك احتمال ولو ضئيل بأن يحصل تدخل مصري يؤدي لاحقاً إلى مواجهة مع تركيا، بشكل مباشر أو غير مباشر. فما هي حقيقة الموقف التركي من ذلك؟

في المقام الأول، تؤكد أنقرة أنها آخر المتدخلين في القضية الليبية، على عكس ما توحي به الضغوط السياسية والحملات الإعلامية التي تستهدفها، وأنه يأتي على خلفية اتفاق رسمي مع حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دولياً للتعاون الأمني والعسكري، بل وتسعى لإضافة اتفاق جديد/ ثالث معها بمشاركة الأمم المتحدة، كما أعلن الرئيس التركي مؤخراً.

مدفوعة بحرصها على إبقاء اتفاق تحديد المناطق الاقتصادية الخالصة المرتبط بأمن الطاقة، وضعت أنقرة منذ البداية هدفاً واضحاً ومعلناً لدعمها لحكومة الوفاق، وهو منع سقوط طرابلس (وبالتالي الحكومة) لإعادة التوازن للميدان، بما يقلل من فرص الحل العسكري ويدفع أكثر نحو الحل السياسي.

نجحت أنقرة حتى اللحظة في تحقيق الجزء الأكبر من هذا الهدف من خلال التقدم الميداني الكبير لقوات الوفاق بدعمها الملموس، وهو ملمح مهم في قراءة الدور التركي يضاف له أمران. الأول أن التدخل التركي لا يستهدف بشكل مباشر طرفاً إقليمياً أو دولياً بعينه رغم أنه بالتأكيد يتناقض مع مواقف الدول الداعمة لحفتر، خصوصاً وأن تركيا لم تنشر قوات كبيرة هناك.

والثاني أن الدور المرغوب تركياً لا يشمل فيما يبدو فتح معركة في الشرق، ولا الإصرار على استعادة كامل الأراضي الليبية لسيطرة الوفاق، وإن أوحت بعض التصريحات بذلك، فهو أمر لا تتيحه الاستعدادات التركية حتى الآن، وتحسباً للسيناريوهات المستقبلية ومواقف مختلف الأطراف (خصوصاً روسيا)، بما يجعل من الشرق معركة معقدة الحسابات وباهظة الثمن عسكرياً وسياسياً.

الأمر الذي يشير إلى أن السقف الحالي للانخراط التركي يقف تقريباً عند سرت والجفرة، ولا يتطلع عملياً لما هو أبعد منهما من زاوية عسكرية، وإنما سياسية ودبلوماسية تعبر عنها وتيرة الاتصالات واللقاءات التي تجريها أنقرة مع مختلف الأطراف، لا سيما موسكو وواشنطن.

يعني ذلك أن الانخراط التركي الحالي والمرجح على المديين القريب والمتوسط لا يحمل مخاطر كبيرة على الأمن القومي المصري. أكثر من ذلك، فقد أبدت أنقرة على لسان الناطق باسم الرئاسة إبراهيم كالين "تفهمها للمخاوف الأمنية المصرية المشروعة" بخصوص الحدود المصرية- الليبية، قبل أن يدعوها للتخلي عن دعم حفتر ودعم حكومة الوفاق.

كما أنه لا ينبغي إغفال الرسائل الإيجابية التي ترسلها أنقرة مؤخراً تجاه القاهرة، حيث خفتت حدة التصريحات التركية تجاه النظام المصري من جهة، ولفتت أنقرة إلى أن الاتفاق البحري مع طرابلس يصب في مصلحة القاهرة وليس العكس، من جهة أخرى. ولعله من المهم قراءة تصريح وزير الخارجية التركي بخصوص لقاءات أولية تمت على المستوى الفني بين البلدين، حول اتفاق شبيه محتمل بينهما بخصوص المناطق الاقتصادية الخالصة.

تفهّم تركيا للمخاوف الأمنية المصرية، وتراجع حدة التصريحات تجاه النظام، والتأكيد على المصالح المشتركة في شرق المتوسط، وعقد تلك اللقاءات فضلاً عن لقاءات سياسية واقتصادية سابقة. كلها سياقات تصب لصالح تراجع حدة الاستقطاب وتضارب المصالح الحقيقية بين البلدين، بعيداً عن حدة التصريحات وما تحاول أن توحي به.

كما أن تركيا، ومثلها مصر، تدرك أنه لا مصلحة لأي من البلدين ولا للمنطقة بأي نزاع عسكري بينهما، ولو بالحد الأدنى أو بطريقة غير مباشرة. وهو العامل الأهم الذي يجعل من سيناريو مماثل احتمالاً بالغ الضعف ومستبعداً وفق المعطيات.

لا يعني كل ما سبق أن البلدين سائران قُدُماً نحو التفاهم وعقد الاتفاقات، فالانحيازات الإقليمية والمواقف المسبقة وغيرها من العوامل تصعّب من ذلك كثيراً حالياً، لكنه يقول إن تهدئة الأوضاع نسبياً بين البلدين احتمال قائم ومرجح، لا سيما وأن الولايات المتحدة قد بذلت جهداً في هذا الاتجاه بين الجانبين الحليفين لها.

في الخلاصة، ليس ثمة مؤشرات حقيقية على مواجهة تركية- مصرية مباشرة في ليبيا، وإنما يمكن وضع الخطوات المصرية الأخيرة في إطار تقوية أوراق الضغط وتحسين شروط التفاوض بما يخص سرت وما بعدها، والأزمة الليبية عموماً.

وفي المجمل، فإن التطورات الميدانية الأخيرة تدفع لأحد خيارين، إما تسريع عجلات المسار السياسي مرة أخرى بعد القناعة باستحالة الحل العسكري، وإما العودة للتفاوض الساخن في الميدان لتعديل المواقف السياسية. ولأن الأطراف الإقليمية والدولية لم تحسم مواقفها بشكل نهائي بعد، يراوح المشهد الميداني في مكانه دون تطورات جذرية مبقياً الباب مفتوحاً على التطور في الاتجاهين بانتظار توافق الأطراف.