صلاح الدين دروزة كما عرفته

الأحد 26 يوليو 2020 04:19 م بتوقيت القدس المحتلة

صلاح الدين دروزة كما عرفته

بقلم: حسام بدران

سنواتٌ طوال جمعتنا في العمل معاً في ميادين المقاومة والتنظيم تخللتها فترات انقطاع حين نتناوب على السجون والتي لم نجتمع فيها معاً أبداً.

البداية كانت مع انبعاث الانطلاقة التي تزامنت مع لهيب الانتفاضة الأولى وقد تصاعدت أفقياً وعمودياً حتى صارت نهجً حياةٍ يعيشه الفلسطينيون بإباء وكبرياء، إذ كانت المشاهد والعبارات اليومية: شهيد.. مواجهات.. اعتقالات.. إضرابات.. جنازات.. إصابات.

ومشاعر الناس فيها شيء من فوضى الحواس، الدموع والبكاء، والفرح والفخر، الصبر والاحتساب، البطولة والإصرار، الزغاريد مع الدم والإقدام رغم الألم.

منذ الأيام الأولى كان قرار الحركة واضحاً وقاطعا بالانخراط في الانتفاضة والدفع بكل طاقاتها وإمكاناتها في الميدان.

وكان التحدي الأكبر حينها يتمثل في كيفية التحول السريع من المنظومات التربوية الدعوية إلى مقاومة مُهيكلة قادرة على تحريك الشارع ومواجهة المحتل. وفي نابلس كان القرار بتشكيل ما عُرف باسم "لجنة الطوارئ" ومهمتها إدارة فعاليات الانتفاضة في المدينة والمخيمات والريف.

وكان من ضمن التحديات أيضًا، مسألة تحويل مهمة وهيكلية الحركة من العمل التربوي التنظيمي إلى العمل المقاوم الميداني. وهذا ما أشرفت عليه هذه اللجنة في حينه.

كنت وأخي صلاح الدين أعضاءً رئيسيين في لجنة الطوارئ والتي استمرت في العمل لسنوات عديدة. كان صلاح أحد الأعمدة الرئيسية لعمل الحركة الميداني في تلك المرحلة وقد تولى المسؤولية حينها عن جزء من المدينة وبعض القرى الشرقية، وكان المسؤول عن توزيع بيانات الحركة الدورية وما يتعلق بها من حاجات العاملين في الميدان.

رجلٌ لا يكل ولا يمل، يتحرك بقوة الدفع الذاتي المنبثقة من عمق الإيمان بالفكرة والاستعداد الدائم للتضحية في سبيل هذا الايمان.

كنا نعمل في الميدان ونشارك في المواجهات وإغلاق الطرق وحتى الكتابة على الجدران. متجاوزين بذلك توصية تنظيمية كانت تريد ممن هو في موقع المسؤولية أن يبتعد قليلا عن الأعمال التي قد تؤثر على مهامه القيادية.

كان صلاح يستغرب حين يرى ترددًا أو إحجاما من بعض إخوانه ولا يتفهم كيف يختار أحدهم القعود بعد تجربة اعتقال أو التعرض لمحنة.

فلسطين كانت دوما حاضرة في نَفْسه وعقله، وهو المؤمن منذ البداية بأهمية المقاومة المسلّحة وأثرها في التحرر.

وكان على تماسٍ مع هذا العمل منذ البدايات، وكان أحد العناوين التي يلجا إليها المقاتلون ويأوي إليها المطارَدون، حيث يبخل على هذا العمل يومًا سواء من نفسه أو ماله أو بيته.

كانت تجمعنا علاقةٌ متينة وثقة عميقة أتاحت لنا العمل بشكل ثنائي في مراحلَ عديدة، واتخاذ خطواتٍ خارجَ الصندوق وبعيدة عن المألوف، منها ما هو متعلق بالحصول على السلاح أو ملاحقة بعض العملاء وردْعهم، أو القيام بإجراءات استثنائية لحماية الحركة والدفاع عن أبنائها أمام بعض المتربصين والحاقدين حينها.

لم يكن أحدنا مسؤولا عن الآخر في السُلَّم التنظيمي؛ لكن رابطة الأخوّة ووحدة الرؤية والتجربة المشتركة جعلت أحدنا يحدّث الآخر بما يشاء ودون حواجز ويطلب ما يريد دون تردد حتى في القضايا الكبيرة والحساسة المتعلقة بالمقاومة.

أذكر أنه حين خرجتُ من سجون الاحتلال في أواخر العام 1998 بعد اعتقالٍ إداري دام قرابة الثلاثِ سنوات جاءني مهنئا بالإفراج. ثم همس في أذني قائلا: "نحن نحتاجك للعودة إلى قيادة الحركة في المنطقة. وإخوانك يعطونك يومين أو ثلاثة كي تتفرغ لأهلك." لقد كانت بيننا ابتسامةٌ وضحكات لأنه كان يعلم يقينا أنني لن أردّه خائبا, وهذا ما كان.

وعُدنا للعمل في فترةٍ صعبة ومُعقّدة خاصة على الصعيد الفلسطيني الداخلي. لاحقًا وقبل انتفاضة الأقصى بعام أو نحو ذلك، طلبتُ منه تدبيرَ بعض السلاح، وخلال أيام قلائل أحضر إليَّ ثلاث قِطَعٍ من السلاح دون أن يتردد أو يُلِحَّ في السؤال، رغم حساسية تلك الفترة من الناحية الأمنية والملاحقة الشديدة للناس على ما هو أقل من السلاح.

ويبقى أعظم وأجمل ما كان بيننا، أنه بُعَيد انطلاقة انتفاضة الأقصى وقد رأينا أمامنا حجْم الإجرام والقتل الذي يمارسه الاحتلال، بدأنا نفكر بكيفية تجميع وترتيب إمكاناتنا نحو انطلاقة جديدة لعمل كتائب القسام، وبدأ كلٌ منا يبحث ويخط ويتفرس في الناس، إلى أن جمَعَنا لقاءٌ للقيادة ففي بيت "صلاح" والذي انتهى عند منتصف الليل، ما أن غادر الإخوة المكان، حتى دار حديث ثنائي بيننا كان بدايته وصولُ رسالة خاصة إليه من بعض أبناء القسام يؤكدون استعدادهم وجاهزيتهم للعمل فوراً.

دار بيننا حديثٌ قصير لم يتجاوز دقائق معدودة، وحينها قررنا رفع الراية والبدء في تنظيم ومتابعة وإعادة بناء كتائب القسام في المنطقة. ووزّعنا الأدوار وتولّيت من جهتي متابعةَ المطاردين الأبطال والتواصل معهم والإشراف على نشاطهم. غير أنه بقي متابعًا لكل الخطوات بل إنه كان على صلة مباشرة مع عدد منهم، بحُكم المعرفة والثقة التي كان يحظى بها بين إخوانه، ليمتد عملنا بطرق مختلفة إلى مناطق الشمال وغيرها.

ولا شك أن العدو أدرك وعرف قيمة وأهمية "صلاح" في عمل المقاومة، فكان من أوائل المستهدَفين بالاغتيال، وبالنسبة لي لم يكن ذلك غريبًا إذ لو عرف الاحتلال عُشْر معشار دور صلاح لكان ذلك كافياً لاغتياله.

أما لحظة الفراق فهي أصعب من أن أصفها بالكلمات والعبارات. فقد سمعت صوت الانفجار واتصلت مباشرة على مكان عمله ليخبرني شقيقُه بأن القصف استهدف سيارة "صلاح" وكأن قلبي كان يعرف ذلك من قبل.

لم أستغرق لحظات لأكون في موقع الحدث، بكيته كما تبكي الأم ولدها، وتجاسرْت على نفسي كثيراً خشيةَ أن يدرك من يراني ما كان بيني وبين صلاح.

وفي تلك الليلة كانت المراسلات مع قادة القسام من المطارَدين ومن معهم بأن الوفاء لصلاح ليس بالبكاء عليه بل بالاستمرار على الطريق والحفاظ على العهد.. وهذا ما كان..