الفساد الذي دمر بيروت ويُفقِّرُ الشعوب العربية

الثلاثاء 11 أغسطس 2020 07:56 م بتوقيت القدس المحتلة

الفساد الذي دمر بيروت ويُفقِّرُ الشعوب العربية

بقلم الكاتب والمدون التونسي: الصحبي الماجري

يمثل الفساد المنتشر في مؤسسات الدولة في العديد من الدول العربية معضلة حقيقية تحتاج إلى النظر فيها بعين الحكمة للتحرر منها خدمة لمستقبل الأجيال القادمة التي يهددها الفقر والجوع وانعدام الأمل. لقد بينت كل المؤشرات العالمية لمقاربة الفساد مدى تغلغله في البيئة المؤسساتية العربية حتى أصبح الفاعل الرئيسي فيها بلا منازع. ولعل حادثة ميناء بيروت (هناك محاولة لإخراجها من مجال الحادث/الحدث إلى مجال الإرهاب) تكشف بشكل صارخ مدى خطورة هذه الظاهرة على ديمومة وجود المجتمعات ذاتها. فلولا وجود خزائن القمح قرب الانفجار لدُمرت بيروت عن بكرة أبيها وأصبحت خرابا لا أمل في إعادته للحياة إلا بعد أجيال.

لقد كشف هذا الحادث/الحدث مدى خطورة الفساد المؤسساتي في الدولة على كيانها نفسه. إنه داء سرطاني خطير يهدد كيان المجتمع والدولة بالزوال والاندثار. إن فساد المسؤولين هو السبب الرئيسي فيما وقع في ميناء بيروت ولذلك حان الوقت لإعلان الحرب الفعلية على الفساد الذي تسبب قبل الحادث/الحدث في تفقير الشعب اللبناني وتحويل لبنان من دولة يطيب فيها العيش إلى دولة فاسدة يهجرها شعبها بحثا عن ملاذ أمن في بقية دول العالم.

إن المؤشرات العالمية لمقاومة الفساد تكشف أن شخصا واحدا من بين كل اثنين في لبنان، على سبيل المثال، يتعرض للرشوة مقابل الحصول على صوته. بينما يتلقى واحد من كل أربع تهديدات، إذا لم يصوت بطريقة معينة. فالفساد يبدأ من الانتخابات التي تغيب عنها الشفافية في مراقبة العملية الانتخابية والشفافية في التصرف في الأموال من قبل الأحزاب والتنظيمات المشاركة فيها. في غياب هذا من الطبيعي أن يتصدر المسؤولين الفاسدين المجال السياسي ويؤسسوا لثقافة الفساد كسبيل وحيد للنجاح في المجتمع فتصبح بذلك ثقافة الفساد ثقافة اجتماعية ويصبح الناجحون فيها قدوة للأجيال الحالية واللاحقة. لكن حادث/حدث الميناء وتدمير بيروت قد أزال الغشاوة عن كثير من اللبنانيين الذين أدركوا اليوم أن الصمت عن الفساد والفاسدين يهدد وجودهم ذاته ووجود دولتهم وأنه حان الوقت للوقوف صفا واحدا لكنس هؤلاء الفاسدين.

ليست لبنان وحدها من تعاني من هذه الأفة بل غيرها من المجتمعات العربية التي تتذيل الترتيب في كل مؤشرات الفساد (باستثناء الإمارات وقطر). فأغلب الدول العربية دون مستوى متوسط المؤشر العالمي لمقاومة الفساد بل بعضها في أخر دول العالم شفافية وحوكمة رشيدة مثل مصر والسودان وسوريا لدرجة أصبح الفساد فيها مؤشرا وحيدا لقياس التنمية التي تكاد تنعدم وانقسم المجتمع لطبقتين واحدة يتوفر لها كل شيء من ماء وكهرباء وبنية تحتية وطبقة لا يتوفر لها أي شيء ويزداد عذابها بارتفاع مستوى الفساد الأخلاقي والجريمة داخلها فاجتمع عليها الفسادان السياسي والأخلاقي ويضاف إليهم الأمية والجهل. إن الفساد يهدد مستقبل الأجيال القادمة في الدول العربية ويمنع تطور وتقدم هذه المجتمعات سياسيّا واجتماعيا واقتصاديا. إنه العدو الرئيسي لكل تغيير اجتماعي فهو الذي أفشل الثورة المصرية وهو الذي يسعى اليوم وبكل قوة لإفشال الثورة التونسية ومنعها من تحقيق أهدافها.

قال رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في تونس، شوقي الطبيب، إن خسائر بلاده سنوياً من الفساد تبلغ نحو 3 مليارات دولار، مشيرا إلى أن تراكم الخسائر في العديد من المؤسسات يضعها على مشارف الإفلاس. هذا المبلغ الذي يمثل خسارة المجتمع التونسي السنوية بسبب الفساد المتغلغل في مؤسسات الدولة يعتبر مبلغا خطيرا ومهما مقارنة بالدخل الوطني الخام في تونس وبميزانية الدولة التونسية المقدرة ب 16.4 مليار دولار سنة 2020 وهو أكثر من العجز المتوقع للميزانية سنة 2020 المقدر ب 1.3 مليار دولار. إنه مبلغ مهم قادر على حل مشاكل البنية التحية التي تعاني منها تونس في ظرف سنة أو سنتين على الأكثر. مبلغ إذا وظف في الجانب الاجتماعي قادر على توفير مساكن لكل المواطنين الذين لا يمتلكون مسكنا وهو قادر على تمكين تونس من مطار جديد على مستوى عالمي في ظرف أربع سنوات. وإذا ما وظف في إصلاح المنظومة التعليمية والجامعية والبحثية قادر على رفع تونس نحو الصفوف الأولى مع توفر الكفاءات اللازمة التي اتخذت مسار الهجرة بسبب هيمنة الفاسدين على مفاصل الدولة التونسية وعلى أغلب الأحزاب والمنظمات الوطنية.

إن الفساد في الدول العربية أصبح مؤسسة في حد ذاته تحميه كل مؤسسات الدولة وبعض منظمات المجتمع المدني التي تشكلت هي ذاتها على دعم خارجي لا محدود ومشبوه الأهداف والغايات ولا تريد أن تخضع للقانون. وبعض هذه المنظمات تحولت لجماعة مغلقة على العائلة أو الانتماء السياسي الواحد حتى لا تمتد يد الرقابة عليها بل أصبحت بعض المنظمات إذا ما حوسب بعض الفاسدين داخلها في بعض مؤسسات الدولة والمجتمع تعطل كافة مصالح الدولة والمجتمع حماية لهؤلاء وكأنها مجرد مافيا في ثوب منظمة وطنية.

وكما يبين جواد العناني في مقال له حول اقتصاديات الفساد في العالم العربي فإن: الترابط وثيق بين درجة النمو الاقتصادي ومدى استشراء الفساد، وهي إلى الآن عكسية، فإن الفساد صار مؤشراً لعدد من المشكلات الاقتصادية في الدول الفقيرة، فانتشاره يؤدّي إلى إيقاف عملية المنافسة النافعة في الدول، ما ينعكس سلبياً على توزيع الموارد وتوجيهها إلى حيث تكون قليلة المردود والإنتاجية. وهي بذلك توطّن ظاهرة الاحتكار والتوزيع غير التنافسي، ما يحرم المجتمع من الوصول إلى مستوى الرفاه الأمثل. والأمر الثاني أنه يسيء إلى توزيع الدخل والثروة إساءة بالغة، ويضعها بين أيدي من لا يستحقونها ولا يعرفون قيمتها الحقيقية. وهؤلاء قادرون على تجنب دفع ما عليهم من مستحقات، لأن الفساد يعطي لهم الفسحة ليشاركوا متّخذي القرار في قراراتهم التي ستحابيهم. وهكذا تقل الموارد الموجهة إلى الخدمات الاجتماعية والأساسية، كالتعليم، والتدريب، والصحة، وتحسين الأجور، والتصدي لجيوب الفقر. والأمر الثالث أن البنى التحتية تنحصر في أحياء ومناطق معينة لخدمة الأثرياء وشركائهم من الحكام، خصوصا في الدول شحيحة الموارد.

لقد أصبح الفساد هو الحاكم بأمره في أغلب الدول العربية لدرجة دفعت شباب لبنان لرفع شعار: الفساد أساس الملك عوضا عن العدل أساس الملك. لأن الفساد يقوض أركان العدل من الأسس.