تطبيع ليس كالتطبيع.. لماذا؟

السبت 15 أغسطس 2020 04:34 م بتوقيت القدس المحتلة

لماذا نضع هذا العنوان أعلاه "تطبيع ليس كالتطبيع"، وهل هناك فروق يمكن الحديث عنها بين تطبيع وتطبيع، أم هي الجهة المطبّعة، كما يحلو للذباب الإلكتروني أن يردد؟

تحدثهم عن جريمة حدثت للتو، فيُخرجون لك من الأدراج صورا عن تطبيع قطري لم يتسامح معه أحد، ومعاهدة مصرية صهيونية، خرج الناس إلى الشوارع دهرا ضدها، ومعاهدة أردنية صهيونية، لم يتوقف الشارع الأردني عن هجائها منذ توقيعها عام 1994، ثم يحدثونك عن تطبيع تركي؛ متجاهلين تاريخية العلاقة بين تركيا ودولة الاحتلال منذ إنشائها، وتطورات العلاقة في المرحلة الأخيرة، فيما يذهب بعضهم نحو سلطة رام الله وتطبيعها أو بؤس مواقفها، التي لا نكف عن هجائها يوميا.

والحال أن موقفنا واضح من كل المطبّعين، بل ربما كان أكثر حدة، مع من يعتقد الذباب أننا نجاملهم، وبالطبع لأنهم بشر مسكونون بالتبعية، ولا يعتقدون بوجود أحرار في الدنيا.

نحن الآن بإزاء تطبيع مختلف لأن المرحلة ذاتها مختلفة، فحين وقّع السادات معاهدته التي اعتبرها العرب قاطبة ضربا من الخيانة، كانت قصص السلام والحلول ما تزال في بداياتها، وكانت الحجج السائدة أن هناك حاجة إلى تقريب العدو من لغة السلام.

اتفاق "وادي عربة"، وقبله اتفاق "أوسلو"، جاءا ووهمُ السلام ما زال قائما، وكان عرفات رحمه الله يأمل بدولة في حدود 67، فانتهى إلى الجدار المسدود في قمة كامب ديفيد؛ صيف العام 2000، فيما اعتبر الأردن أن توقيع الفلسطينيين يبرر توقيعه، بناء على وعود ثبت زيفها من الأمريكان والصهاينة.

هكذا بدأت موجة التطبيع والهرولة المعروفة منتصف التسعينيات، التي تصدّت لها مصر والسعودية وسوريا (قمة الإسكندرية عقدت لهذا الهدف) بعد الشعور بأن الصهاينة على وشك أن يخترقوا المنطقة، وظهرت حينها لجان مقاومة التطبيع في كل الدول العربية.

حدث ذلك كله حين كان وهمُ السلام قائما، ولكن ما إن أعلن الفلسطينيون ضمنيا أن العدو لا يريد منحهم دولة على حدود 67، وأن ما يعرضه هو مجرد حكم ذاتي على أجزاء من الضفة الغربية وقطاع غزة، أشبه بـ"كانتونات" معزولة بعضها عن بعض، بدون القدس، وبدون عودة اللاجئين وبدون السيادة، وأطلقوا انتفاضة الأقصى الباسلة، حتى تراجع المطبّعون، وتم إغلاق القنصليات أو السفارات باستثناء مصر والأردن، بدعوى وجود معاهدتي سلام.

ما نريد قوله هو أن التطبيع السابق كان يملك بعض التبرير المتعلق بالسلام، لكن الموقف ما لبث أن تغير بعد ذلك، بخاصة بعد انتفاضة الأقصى، وصولا إلى طرح المبادرة العربية (2002) التي جاءت في لحظة ضعف للنظام العربي الرسمي أمام أمريكا، وهي في ذروة قوتها بعد هجمات أيلول/سبتمبر 2001، وهي المبادرة التي استخفّ بها الصهاينة (لافت بالطبع أن أمريكا هدّدت الأنظمة حينها بفرض الديمقراطية.. بهدف الابتزاز لا أكثر بطبيعة الحال!!).

منذ ذلك الحين، غابت خطوات التطبيع نسبيا، باستثناءات محدودة، ثم عادت من جديد بعد ولوغ محمود عباس في الوهم من جديد، ثم بعد ظهور المشروع الإيراني على حقيقته، كمشروع مذهبي، وحديث البعض عن أولوية مواجهته.

في السنوات الأخيرة، وبسبب وضوح أولوية العديد من الأنظمة العربية، ممثلة في مواجهة مطالب الإصلاح و"الربيع العربي"، و"الإسلام السياسي"، ومن ثم الصدام مع الداخل وجماهير الأمة، كان من الطبيعي أن يذهب البعض إلى أمريكا والصهاينة بحثا عن الدعم والشرعية.

الاتفاق الإماراتي الصهيوني، يأتي تتويجا لهذه الحالة من خلال الأولويات، لا سيما بعد أن تم وضع تركيا كعدو رقم واحد (كونها داعمة لربيع العرب والإسلام السياسي)، تليها إيران. وكان طبيعيا والحالة هذه أن يذهب أصحاب هذا المنطق إلى الصهاينة بحثا عن الدعم والشرعية.

هكذا يمكن القول إن هذا اللون من التطبيع يختلف جوهريا عن سابقه، من حيث إنه يأتي بعد كشف أوهام السلام، ووضوح الصهاينة في كشف حقيقة سقفهم السياسي في الحل، بدليل أن التبرير الذي طرح للاتفاق هو تعليق مخطط الضمّ لأجزاء من الضفة الغربية، وذلك بعد الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة للكيان، والاعتراف بالاستيطان وشطب قضية اللاجئين.

وحتى هذا التبرير؛ لم يُسمح به صهيونيا، إذ أعلن نتنياهو أن الضمّ قادم، وكذلك فعل صبي ترامب (كوشنر)، وكأن الصهاينة يستخفون بمن وقّع معهم، وهم دائما يفعلون ذلك على كل حال.

أما الجانب الآخر لاختلاف هذا التطبيع عن سواه، فيتمثل في أنه لا يأتي بحثا عن السلام وأوهامه، لأن أوهامه انكشفت تماما، بل يأتي في سياق من تصفية القضية وفق المعطيات الجديدة، فضلا عن أنه يهيل التراب على المبادرة العربية التي جعلت الحل سابقا على التطبيع.

إنه تطبيع يمهّد الطريق أمام حل تصفوي للقضية يرى الصهاينة أنه ممكن في ظل الحريق الراهن في المنطقة، وفي ظل الأولويات الجديدة للأنظمة التي تورطت وستتورط فيه.

وكان لافتا أن يبشّرنا كوشنر بعد قليل من توقيع الاتفاق (يوم الخميس)، بأن دولا جديدة ستلتحق بالإمارات، وعينه بالطبع على البحرين وعُمان، وقبلهما المملكة العربية السعودية، لما لها من رمزية دينية، فيما يتوقع أن تتعرض قطر إلى ضغوط كبيرة أيضا كي تلتحق بالركب، عبر استغلال الأزمة الخليجية.

هكذا نكون أمام مشهد خيانة لقضية الأمة المركزية، وليس مجرد تطبيع كالذي شهدناه من قبل، ويكفي أن تصف قيادة السلطة الفلسطينية الأمر على هذا النحو، وهي الوالغة في بيع الوهم، والتعاون الأمني مع العدو، حتى ندركه على حقيقته.

سيُقال إن الرد على ذلك ينبغي أن يكون عبر تفعيل لجان مقاومة التطبيع في الفضاء العربي، وهو مطلوب ومهمٌ بالتأكيد، لكن ذلك لن يكون كافيا، إذ من دون انتفاضة شاملة تقلب الطاولة في وجوه الصهاينة والمتآمرين معهم، فإن الوضع سيكون صعبا، لأن ما يجري هو ترجمة لما يُعرف بـ"الحل الإقليمي" الذي يعني تطبيعا عربيا واسعا، مع إبقاء واقع الحكم الذاتي القائم على حاله، أو مع بعض التحسينات، ولو من دون توقيع، ثم يتحوّل المؤقت إلى دائم بمرور الوقت، والصراع إلى مجرد نزاع لا أكثر.