التطبيع وسياسة المتزلفين

السبت 15 أغسطس 2020 07:29 م بتوقيت القدس المحتلة

التطبيع وسياسة المتزلفين

بقلم: شادي أبو صبحة

لا يزال الاحتلال (الإسرائيلي) يمارس جرائمه ضد شعبنا الفلسطيني، عبر تنفيذ مخططات استيطانية جديدة تلتهم كل ما تبقى من الأرض الفلسطينية، ولا تزال مدينة القدس تئن تحت وطأة الاحتلال الغاشم، وغزة تعاني ويلات الحصار وغبار معاركها لم ينجلِ بعد، وجراح أطفالها بسبب الاستهداف الصهيوني للمنازل الآمنة لم تلتئم، ولا تزال جولات الساسة والوسطاء في حراك عاجل لوقف البالونات الحارقة التي يطلقها الشباب الفلسطيني الثائر تعبيراً عن رفضه للحصار الصهيوني المستمر منذ 14 عاماً، لتباغتنا دولة الإمارات بخطوة خيانية واتفاقية تطبيع مع أمريكا و(إسرائيل).

بدا بن زايد خائفا وجلاً من هول ما اقترفت يداه يراوغ ويكذب، يغطي عمامته فتظهر مؤخرته الكبيرة، فما عادت عباءته المرصعة بالعار تخبئ شهوته للخيانة ومخططاته الخبيثة وهرولته نحو التطبيع مع العدو الصهيوني، معتمدا في ذلك على علاقاته القديمة، ومدعيا أن التطبيع جاء ليوقف (إسرائيل) عن ضم المزيد من الأراضي الفلسطينية المحتلة، ليرد عليه نتنياهو الفاشل قائلا إنه لا علاقة لموضوع الضم بعملية التطبيع وإنه لن يوقف الضم وإنها مسألة وقت، وبالتالي كذبة ولي العهد وسعيه إلى التعاون المعلن مع (إسرائيل)، لم تنطل على أحد.

بن زايد يخطو ويهرول للتطبيع خوفاً على كرسيه معتقداً أنه يسير على حبل مشدود في رسم ملامح علاقته بـ (إسرائيل)، ففضائحه لا تنتهي عند التطبيع مع الكيان ولا الدكتاتورية التي يمارسها ضد مواطنيه، وفتح الأبواب للخمور والبغاء وتجارة البشر، لكنه يتملق متستراً خلف وقاحته ومقامرته على قوت الشعوب المنكوبة والمنهكة بسبب العدو الصهيوني، ظناً منه أن هذا الدور سيساعده في إقناع واشنطن بمنحه دورا مميزا بالمنطقة.

إن الاتفاق المشترك الذي وقعته الإمارات مع (إسرائيل) وأمريكا عار يتوج خطوات ومخططات عربية عدة تلهث وراء التطبيع السري مع الكيان، وتفتح شهيتها لإعلان تعاونها، كما تمنح ترامب هدية تعينه في انتخاباته القادمة وفرصة لتسويقها في مواجهة خصومه السياسيين، وتخرج نتنياهو من عنق الزجاجة وتنقذه من قضايا الفساد وعدم قدرته على تنفيذ الضم وفشله في إدارة ملف كورونا وفشله في الملف الأمني في الشمال والجنوب، وتزيل بعض الصدأ عن نظامه السياسي الضعيف والمترهل وغير المستقر.

الإمارات التي لم تعانِ حرباً مع (إسرائيل) ولم يكن لها في يوم أي اشتباك سوى مع المستضعفين من العرب، تسعى لسلام كاذب، وتؤهب نفسها لقيادة العرب من بوابة السفاح، وتلقي بعباءة الشرف، وتمارس الرذيلة في الخفاء، فهذا الاتفاق الخياني لم يأتِ هكذا اعتباطا بل هو مولود حرام جاء نتيجة علاقات محرمة مارستها من خلال استضافة صحفيين ومسئولين صهاينة شاركوا في مؤتمرات تطبيعية وخطوات واتفاقات أخرى لا تزال تنمو في أحشاء العواصم العربية، بحجج اقتصادية وصحية من صاحب واجب يضع الإنسانية في أولوياته، ويتناسى عذابات شعبنا الفلسطيني بسبب الاحتلال الذي يقتل أطفالنا ونساءنا صباح مساء.

في الواقع، ارتبطت معظم الدول العربية ومنها السعودية والبحرين بعلاقات تطبيع سرية مع (إسرائيل) وهو ما فضحته وسائل إعلام صهيونية أكدت هرولة الكثيرين للتطبيع العلني مع الكيان، ورغم خطورة هذه الخطوات التطبيعية إلا أن الدول العربية تمارس لعبتها الإعلامية المقززة والمفضوحة في تصديرها مواقف رافضة لصفقة القرن والضم، وفي ذات الوقت تستضيف مؤتمرات التطبيع على أراضها، لتوزع الخارطة الفلسطينية في مزادات الإمارات والبحرين وسط هتافات وتصفيق وكروش ممتدة الأطراف.

خرجت الرصاصة من (جلابيته) المرصعة بالحقارة، وسكنت في قلوب الباكين من أصحاب القضية، وهلل المتباكون من القادة العرب بالشجب والاستنكار لكل جريمة يرتكبها العدو، ونسي هؤلاء أن الرصاصة من جيبهم ومن نفطهم وهم من يدفع ثمنها في مزادات التطبيع، بل أرسلوا طائراتهم لتشارك في مناورات حربية جوية للاستفادة من قدرات (إسرائيل) وخبراتها العسكرية.

تلعب الإمارات لعبتها القبيحة لدفع الحكام العرب للتطبيع مع الاحتلال، من خلال الترسيخ في عقولهم أن (إسرائيل) لا أحد يقوى على مقاطعتها، وأن استقرار أنظمتهم الفاسدة ونيل رضا البيت الأبيض لن يتم دون موافقة تل أبيب، فمارست الإمارات تأثيرها على السعودية لتنظم علاقاتها مع مؤسسات صهيونية، ورتبت للقاء الذي جمع رئيس المجلس السيادي في السودان عبد الفتاح البرهان ونتنياهو في أوغندا، عدا عن فتح باب زيارات شبابها لـ (إسرائيل)، حتى لا تكون وحدها في هذه الطريق الموحشة.

الحقيقة أن بن زايد الذي لا يمت لزايد الأب بصلة، لأنه لم يكن ليقبل نهائيا هذه المهزلة؛ أكثر ما يذكرنا بالواقفين على منصة المزاد العلني، والمنادين كيفما اتفق حتى وإن كانوا يبيعون مروءتهم بثمن زهيد، ويصر على أنه سياسي بارع ويجيد المراوغة، لكنه ومَن حوله ممن يدعون الإصلاح من أصحاب اتفاقية العبور والحركة عام 1995م، قد قتل شعبه وباع دمه رخيصا في المزاد، فلم يسجل رفضه ولم نسمع بخروجه من أبو ظبي رفضا للاتفاق، ويظن أنه بإذعانه وخضوعه سيحل رئيساً للمقاطعة في قادم الأيام.

في اعتقادي أن الإمارات تمضي قُدُما لمراكمة العلاقات مع العدو، ومحاولة تسويقها عربياً وإقليمياً، لكنها لن تجد في ذلك قبولا شعبيا عربياً ودولياً، وقد شاهدنا المسيرات التي جابت شوارع العالم رفضا لخطة ترامب ونصرة للشعب الفلسطيني، ما يدلل على أنه حتى وإن استطاعت الإمارات أن تؤثر في بعض الدول العربية للسير على نهجها وإشهار تطبيعها مع الاحتلال؛ فإنها لن تستطيع أن تغير في الوعي الوطني السليم للشعوب التي تؤمن بحق فلسطين في الحرية والاستقلال.

المصدر : شهاب