الصهيونية عصب الثورات المضادة.. الإمارات نموذجا

الثلاثاء 18 أغسطس 2020 03:55 م بتوقيت القدس المحتلة

منذ اندلاع الثورات العربية؛  في أواخر 2010 وأوائل 2011 ظهرت تحليلات وتفسيرات كثيرة، منها ما طفق ينظّر أن تلك الثورات هي مخطط صهيو-أمريكي وعرّابها هو (برنار هنري ليفي) وأنه حتى تلك الثورات التي قامت ضد أنظمة موالية للغرب (نظام زين العابدين ومبارك مثلا) هي صناعة دوائر ماسونية أو صهيونية أو أمريكية لأن الأمريكان أرادوا تغيير الوجوه لتثبيت مصالحهم عبر تسليم تيار الإسلام السياسي مقاليد الحكم…وهذا تنظير يملأ الفضاء الإعلامي والإلكتروني، ومع بالغ الأسى ثمة شريحة من الناس تصدقه وتؤمن به كحقيقة لا تقبل التشكيك.

وقبل أيام أرسل لي صديق فيديو لأحد الصحفيين يزعم أنه اطلع على وثيقة سرية للغاية من ملفات المخابرات الأمريكية ملخصها نية إدارة أوباما تمكين الحركات الإسلامية التي توصف بالاعتدال من مقاليد الحكم في أقطار عربية؛ وأن ما أسماه فشل ذلك المخطط كان بتحرك الجيش المصري بقيادة عبد الفتاح السيسي، الذي أنقذ مصر من مصير(أسود)!

طبعا إضافة إلى السؤال البدهي، وهو كيف لوثائق توصف بالسريّة المطلقة أن تتسرب إلى الإعلام و(اليوتيوبرز) ثمة سؤال أهم وهو: هل جلبت الثورات المضادة أي إنجاز يذكر للشعوب في الجوانب الاقتصادية والتعليمية والخدماتية الأساسية؟ اللهم إلا إذا كان مجرد قمع وتحجيم وتجريم تيار الإسلام السياسي خاصة الإخوان المسلمين هو –بنظر هؤلاء- بحد ذاته شيء عظيم وإنجاز كبير تتصاغر أمامه كل مظاهر الخراب والفساد الظاهرة للعيان؛ ولعل هذا ما عبر عنه أحد نجوم إعلام الانقلاب في مصر صراحة بقوله ما معناه أنه لو لم يكن للسيسي (حسنة) واحدة سوى تصفية وإزاحة الإخوان فهذا كاف كي يتوّج على عرش التبجيل والتعظيم!

استحضار العامل الإسرائيلي ضروري

يجب أن نشير بداية إلى أن من أخطاء الثورات العربية تأجيلها المتعمد لموضوع المشروع الصهيوني في فلسطين، رغبة منها في عدم استفزاز الغرب في مرحلة انتقالية حساسة، ولأنها رأت أن تثبيت أركانها في الأقطار التي أزيحت منها رؤوس الاستبداد مقدم على الملف الإسرائيلي، وأن التعامل معه سيأتي لاحقا لا محالة.

ولعل ما فات هؤلاء، أن هذا تحديدا لم يغب لحظة عن دوائر الأمن والسياسة ومراكز البحث الاستراتيجي عند الإسرائيليين والغربيين؛ فهم يدركون أن امتلاك الشعوب العربية قرارها يعني بالضرورة رفضها للاحتلال الصهيوني ودعم مقاومته والتصدي لمخططاته التهويدية بداهة، وليس أدلّ على ذلك أن أي نظام عربي فتح لشعبه المجال للتفاعل الإيجابي مع قضية فلسطين وجد تجاوبا كبيرا لا تحظى به أي قضية أخرى من مختلف الشرائح الاجتماعية؛ فهناك من سمح بفعاليات فنية أو مظاهرات ومسيرات، وهناك من سمح بجمع التبرعات، وكل هذا لاقى سرعة تجاوب شعبي، وعليه فإن الفكرة الحاضرة لدى الدوائر الإسرائيلية هي أن هذه الشعوب حين تمتلك قرارها وتختار من يحكمها ستتكتل باتجاه مقاومة المشروع الصهيوني، أو رفض التصالح والتطبيع معه في أضعف الأحوال، ومراكمة الجهد للخلاص منه؛ فمسألة القدس عند كل الشعوب العربية-إذا سمحت لها الأنظمة بالحركة-  محسومة فطريا، وأي نظام منتخب ويتعامل بشفافية لن يعاند فطرة شعبه، عوضا عن أن يكون بطبيعة الحال يعبر عن هذه الفطرة.

وهنا نجد أنه من السطحية استبعاد العامل الإسرائيلي الحاسم في تحليل وتفسير الظواهر السياسية والاجتماعية والاقتصادية وبالتأكيد الأمنية في المنطقة، وأي متصدر للتحليل أو التفسير يهمل أو يتجاهل العامل الإسرائيلي، فهو يحرف البوصلة بقصد أو بغير قصد مهما حاز من شهادات أكاديمية أو ألقاب وأوصاف أو كان قريبا ومطلعا على بعض خبايا الأمور…هذه مسألة يجب ألا تغيب عن الوعي الجمعي.

الإمارات تموّل الثورات المضادة

ليس سرّا أن الإمارات العربية المتحدة بعد وفاة الشيخ (زايد بن سلطان آل نهيان) تغيرت سياستها وأبرز ما في هذا التغير في السنوات الأخيرة هو الدعم السخي المطلق للثورات المضادة، والرفض الصريح لتغيير أي نظام عربي مهما بلغ فساده، وفي حال تغير تدخل الإمارات بمختلف أدواتها لتجعل البلد العربي الذي ينجح في إزاحة رأس نظامه، يعيش كابوسا وجحيما، والأمثلة كثيرة؛ كدعم الانقلاب العسكري في مصر وتبنيه وتسويقه، والتدخل السلبي في اليمن، وإعادة العلاقات مع النظام السوري بعد التظاهر بدعم الثورة السورية، والأدهى والأمرّ دعم الجنرال الانقلابي خليفة حفتر علنا في ليبيا، ويعلم القاصي والداني أنه لو تمكن حفتر من أرض وشعب ليبيا ليسومنّ الناس سوء العذاب وليكونن ما كان من قمع وظلم في عهد القذافي بمثابة جنة يُترحم على (نعيمها) والدليل ما يكشف عنه من جرائم بشعة ارتكبتها قواته في المناطق التي طردت منها مثل ترهونة وغيرها، وكل هذا بدعم إماراتي عسكري وسياسي وإعلامي وإنفاق مالي ضخم.

وتتناقل بعض الجهات تقارير بأن للإمارات دور في محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا في صيف 2016 وبغض النظر عن صحة ودقة هذه الأخبار، فإنه لو نجح الانقلاب-لا قدر الله- في تركيا لكانت الإمارات أكبر الداعمين له ولرجالاته وأدواته بكل ما تملك.. إذا أردنا خلاصة الحديث عن دور الإمارات في المنطقة العربية والإسلامية نقول: إن إمارات محمد بن زايد ترفض أن يتحرر أي شعب عربي من الاستبداد وأن يمتلك أي مؤسسة منتخبة ديموقراطيا حتى لو كانت نقابة صغيرة، وفي سبيل تحقيق هذا الرفض تنفق أموال طائلة وتسفك الدماء وتتفجر الأزمات المتتالية، ولا تكتفي الإمارات بهذا التوجه بل تريدلكل العالم أن يتبناه، وهي تقاطع وتعادي من ترى أنه ضد مساعيها، ومن ذلك حصارها لجارتها التي يفترض أنها شقيقتها قطر الدولة الصغيرة، و معاداتها لشقيقة كبيرة مهمة هي تركيا…الثابت عند الإمارات هو دعم الاستبداد وتثبيت الاستعباد وتمويل الثورات المضادة ضده!

الإمارات والتطبيع مع إسرائيل

منذ سنوات تنتشر أخبار عن تعاون أمني وتبادل تجاري بين إسرائيل والإمارات وقد ظهرت عدة مؤشرات على هذا التعاون الذي كان السؤال حول مداه وماهيته وليس حول حقيقة وجوده، ليخرج محمد بن زايد وبنيامين نتنياهو ودونالد ترمب يوم الخميس 13 آب/أغسطس الماضي بإعلان تطبيع العلاقات بين الإمارات وإسرائيل، مع محاولة بائسة من طرف الإمارات بأن الثمن هو وقف ضم أراضي الضفة الغربية، وإذا كان النظام العربي الرسمي قد تخلّى عن خيار مواجهة إسرائيل واختار نهج التفاوض للوصول إلى تسوية معها، فإن شرط التطبيع وتبادل السفارات هو على الأقل انسحابها إلى حدود الرابع من حزيران 1967 وليس وقف الضم الذي حتى على لسان المسئولين الإسرائيليين والأمريكيين تم تأجيله لا إلغاؤه…وبالتالي فإن الإمارات بهذه الخطوة قد خرجت وتجاوزت ما هو منتقد أصلا أي الموقف العربي الرسمي المعلن من الصراع مع المشروع الصهيوني، وتخندقت في موقف شاذ ومستفز.

وهنا يجب ألا تقارن الإمارات بمصر والأردن و م.ت.ف اللواتي بينهن وبين الكيان العبري اتفاقيات تسوية وغيرها؛ فمع رفض تلك الاتفاقيات مبدئيا لأسباب كثيرة، فإن تلك الاتفاقيات جاءت بعد حروب وصراعات وثمة أسباب جيوسياسية لها، ولكن ما بال الإمارات التي لا علاقة لها بالحروب والصراعات مع الكيان ولا ترتبط معه بحدود مشتركة، بل إن شامير نفسه لم يطمح بذلك عندما دخل في مسيرة مدريد وطرح ما رآه (السلام مقابل السلام) بين كيانه و(جاراته) العربيات. ما أكثر شيء يجمع إسرائيل بدولة كالإمارات؟ إنه دعم الثورات المضادة والمحافظة على المنظومة الاستبدادية وتقوية قبضتها على الشعوب، وبهذا تظل إسرائيل في أمن وأمان، فشعوب مستعبدة لن تحرر أرضا محتلة.

وقد يبرز سؤال منطقي: أيعقل أن دولة عمرها أقل من خمسين سنة عدد من يحملون جنسيتها هو عُشر سكانها وهي تحت الحماية الأمريكية، ولا تمتلك مقومات صناعية أو تقنية خاصة، وحظها ثروة طبيعية وجدت في باطن أرضها فقط، أن تقوم بهذه الأدوار والتحركات التي بالكاد يمكن لدول كبرى أو إقليمية مؤثرة أن تقوم بها، إلا إذا كان هذا يتم بتوجيه ودعم ممن هو أكبر وأقوى؟ هذا صحيح نسبيا، ولكن عبر التاريخ وجدت مجموعات ودول وشخصيات وظيفية، استغلت بعض الهوامش ولعبت على تناقضات ومارست أدوارا أكبر من قدراتها المفترضة أو المرسومة، أو أبدعت واندمجت في الدور حتى بدت على غير حقيقتها!

والأهم من ذلك أن خطوة الإمارات ربما تكون كحصان طروادة أو هي مقدمة لانخراط دول أخرى تباعا، في مسار التطبيع في هذه المرحلة، وغير ذلك من التفسيرات والتحليلات التي يتم تداولها، كلها تحتمل الصحة بنسبة ما…وبغض النظر عنها فإن الاستنتاج الأهم هو أن الراعي والداعم والمساند للثورات المضادة والمعني ببقاء الاستبداد هو الكيان الصهيوني، وليس هو الذي من مصلحته تغيير النظم وأنه مسرور بالثورات وأنه افتعلها مثلما دأب بعضهم على القول…إسرائيل هي عصب الثورات المضادة، وعلاقتها بالإمارات دليل على هذه الحقيقة، لقد اجتمعتا على عداوة الحرية، ومع ذلك وجدنا من يرفض بشدة توجه الإمارات التطبيعي، ويقف في نفس الوقت مع الثورات المضادة التي تموّلها…أهو انفصام أم حقد أيديولوجي؟!