ألفتهما شوارع مدينة رفح وأزقتها، وهما شابان يافعان يقارعان جنود الاحتلال في الانتفاضة الأولى بالحجارة تارة وملاحقين للعملاء تارة أخرى، إلا أن أصبحا ماردين يقضان مضاجع قادة الاحتلال وجنوده، إنهما القائدان القساميان رائد العطار ومحمد أبو شمالة.
كانا بمثابة "روحين في جسد واحد" على مدار ما يزيد على عشرين عامًا، ترافقا خلالها في المحطات الجهادية كافة بدءًا من الانتفاضة الأولى، ومرورًا بالملاحقة والأسر، ثم ترتيب صفوف كتائب القسام في مدينة رفح، ثم الظفر بالشهادة معًا خلال معركة العصف المأكول عام 2014م.
الباكورة الجهادية
شكلت انتفاضة الحجارة عام 1987م باكورة الأعمال الجهادية لـ "توأمي المقاومة" العطار وأبو شمالة، إذ كانا يقودان المواجهات مع جنود الاحتلال في شوارع مدينة رفح، وينشطان في تنظيم المظاهرات والإضرابات وملاحقة العملاء.
وفور قدوم السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة عام 1994م شنت حملة اعتقالات واسعة طالت المئات من نشطاء المقاومة، وكان في مقدمتهم العطار وأبو شمالة، وقد وجهت لهما تهمة التدريب على أسلحة غير مشروعة.
قضى العطار وأبو شمالة في سجون السلطة ثلاث سنوات قبل أن يفرج عنهما، ليعاد اعتقالهما في عام 1999م وقد حكمت محكمة أمن الدولة بالإعدام على القائد رائد العطار، والسجن المؤبد مع الأعمال الشاقة على القائد محمد أبو شمالة، على خلفية مقتل شرطي أثناء مطاردته لمجموعة من المجاهدين.
الحكم الظالم على القائدين أثار موجة احتجاجات شعبية واسعة؛ ما اضطر السلطة إلى التراجع عنه بقرار من الرئيس الراحل ياسر عرفات.
ترتيب الصفوف
ومع اندلاع انتفاضة الأقصى مطلع عام 2000م سارع العطار وأبو شمالة إلى إعادة ترتيب صفوف الذراع العسكرية لحركة حماس كتائب الشهيد عز الدين القسام في مدينة رفح والذي فككته السلطة الفلسطينية، ليستعيد مكانته الطبيعية في الدفاع عن المدينة الحدودية وصد هجمات الاحتلال المتلاحقة.
الحنكة العسكرية والشخصية القيادية أهلت القائد العطار ليتولى قيادة لواء رفح في كتائب القسام، وأن يصبح عضوًا في المجلس العسكري العام، فيما تولى القائد أبو شمالة قيادة دائرة الإمداد والتجهيز، إضافة إلى عضويته في المجلس العسكري العام للكتائب.
سلاح الأنفاق
ومع تصاعد جرائم الاحتلال انطلق القائدان من جديد ليسطرا سلسلة من الملاحم والعمليات البطولية التي استهدفت المواقع الإسرائيلية العسكرية التي تحيط بالمدينة والتي لطالما أذاقت أهلها الويلات، ونظرًا للتحصين الكبير لتلك المواقع برز سلاح الأنفاق القسامية الذي أرّق قادة الاحتلال وأرعب جنوده.
شارك القائدان وأشرفا على تنفيذ سلسلة عمليات تفجير نوعية للمواقع الإسرائيلية عبر الأنفاق، كان من أبرزها عملية "براكين الغضب"، وموقع "محفوظة"، و"حردون"، و"ترميد" التي أدت إلى مقتل أكثر من عشرين جنديًا إسرائيليًا وإصابة أكثر من 70 آخرين بجروح متفاوتة.
وفي كبرى عمليات القسام "الوهم المتبدد" والتي أُسر خلاها الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط عام 2006م شرق مدينة رفح، كانت بصمات العطار وأبو شمالة جلية فيها، وصولًا إلى إتمام صفقة وفاء الأحرار عام 2011م والتي أُفرج بموجبها عن 1027 أسيرًا من ذوي الأحكام العالية والمؤبدات.
وتزينت صورة النصر الكبير للمقاومة في صفقة التبادل بصورة العطار إلى جانب الجعبري وهما يسلمان الجندي جلعاد شاليط للجانب المصري، وصورة أبو شمالة وشاليط أسيرًا في قبضة وحدة الظل القسامية.
الحروب الثلاث
حنكة القائدين العطار وأبو شمالة تجلت في قيادة العمل العسكري لكتائب القسام خلال معارك الفرقان، وحجارة السجيل، والعصف المأكول من خلال التصدي لقوات الاحتلال المتوغلة برًا شرق مدينة رفح.
ومن أبرز العمليات التي قادها العطار عملية صوفا في معركة العصف المأكول، وكذلك إيقاع العدو في العديد من الكمائن، أبرزها كمين أبو الروس الذي فقد خلاله الضابط الإسرائيلي "هدار غولدن" خلال معركة العصف المأكول صيف عام 2014 شرق رفح.
فتى حماس
انتسب رائد صبحي العطار وهو فتى إلى حركة حماس، وآمن منذ البداية بأن الاحتلال لا يفهم إلا لغة السلاح؛ فبادر إلى التدريب والإعداد، وانضم إلى كتائب القسام التي تدرج في قيادتها إلى أن تولى قيادة لواء رفح.
عدّته قوات الاحتلال الوريث الفعلي لرئيس أركان كتائب القسام أحمد الجعبري، ووصفته بأنه "رأس الأفعى" و"صائد الجنود" الذي جعل هدف حياته خطف الجنود من أجل تحرير الأسرى الفلسطينيين.
وفي الحرب على غزة 2014، اتهمته إسرائيل على لسان صحيفة يديعوت أحرنوت بأنه الشخص الوحيد الذي يمكن أن يعرف مصير الضابط الإسرائيلي المفقود هدار غولدن.
قائد الإمداد والتجهيز
ويُعد الشهيد القائد محمد أبو شمالة من أبرز مؤسسي كتائب القسام في رفح، وكان قبل استشهاده قائدًا لدائرة الإمداد والتجهيز، وعضوًا في المجلس العسكري العام.
أصبح أبو شمالة من أبرز المطلوبين لأجهزة المخابرات الإسرائيلية منذ عام 1991، وأمضى في سجون الاحتلال تسعة أشهر، وفي سجون السلطة الفلسطينية ثلاث سنوات ونصف السنة.
نجا من محاولتي اغتيال، كانت الأولى عام 2003 عندما تعرضت سيارته لغارة جوية وأصيب بجروح، والثانية عام 2004 عندما اجتاحت قوات الاحتلال مخيم يبنا، وحاصرت منزله ودمرته.
من المطاردة إلى الشهادة
أما الشهيد القائد محمد برهوم فهو رفيق درب الشهيدين محمد أبو شمالة ورائد العطار، وكان من أوائل المطارَدين من كتائب القسام لقوات الاحتلال عام 1992م.
نجح برهوم بعد مدة من المطاردة في السفر إلى الخارج سرًا، وتنقل بين عدة دول، ثم عاد في الانتفاضة الثانية إلى قطاع غزة ليلتحق من جديد برفاق دربه وإخوانه في معاركهم وجهادهم ضد الاحتلال.
ولم تثنهِ المطاردة وتجربة الإبعاد عن مواصلة تدريبه ونضاله ضد المحتل من داخل صفوف كتائب القسام، فقاتل المحتل ودافع عن غزة، وأمّن السلاح والتدريب، وشارك في التصدي للمحتل في اعتداءاته المتكررة على القطاع إلى أن لقي الله شهيدًا.
يوم الشهادة
وفي الحادي والعشرين من أغسطس عام 2014م كانت مدينة رفح على موعد مع رحيل قادتها الثلاثة العطار وبرهوم وأبو شمالة، بعد أن استهدفت طائرات الاحتلال منزلًا بحي تل السلطان غرب المدينة بعدة صواريخ؛ ما أدى إلى استشهادهم وخمسة مواطنين، وإصابة أكثر من أربعين.
أثمر غرس العطار وأبو شمالة، وظهر جليًا في وفاء التلامذة لقادتهم، فأطلقت كتائب القسام على صاروخين حديثين من تصنيعها أسماء القائدين العطار وأبو شمالة، لتشحذ ترسانتها القتالية للمعركة بصاروخي (SH) و(A)، ولتبقى أشباحهما تطارد الاحتلال حتى اندحاره عن الأرض والمقدسات.