شهادة داود الخطيب في سجدته الأخيرة محمّلة برسائل بليغة

الإثنين 07 سبتمبر 2020 11:36 م بتوقيت القدس المحتلة

نعلم أن المرء يكون أقرب ما يكون من مولاه وهو ساجد،" اسجد واقترب" واختار الله شهيدنا أن يعانق الشهادة وهو ساجد، بعد رحلة طويلة في سجون الاحتلال بلغت ثماني عشرة سنة كانت هذه الخاتمة الحسنة، فما الذي أثقل هذا القلب الكبير الذي وسع آلام هذه السنوات الطويلة جدا في عمر السجون، ثقلت الاحمال فانتفض القلب معلنا شهادته ومبرئا ساحته من موبقات ضربت وأثخنت هذا القلب ولم يعد يحتمل أن يبقى صامتا، كان لا بدّ من الشهادة العالية للعالمين بهذه الطريقة الجميلة العالية الرفيعة:

قدّم الخطيب شهادته بداية على الوضع الفلسطيني الذي يسمح ببقاء هؤلاء الأسود فترة طويلة في السجون دون تحريرهم من هذه القيود السوداء وسجون هذا الحقد القاتم، وما كان للأسرى أن يقضوا هذه الفترات الطويلة لو كانت جبهة الفلسطينيين صفّا واحدا ولو كان الاتفاق على برنامج وطني موحد يولي قضية الانسان الفلسطيني الأسير الاهتمام المناسب ويعطي حريته أولوية من أولوياته العملية.

وقدّم أيضا شهادته على هؤلاء الذين يسارعون الى الاصطفاف في معسكر الأعداء ويطعنون قضية الامة المركزية بطعناتهم السوداء، هنا الانسان الفلسطيني المعذّب، هنا ما زالت النازية التي فرّوا من أفرانها تتقمّصهم وتصبّ إجرامها على هذه الروح الفلسطينية، أنا شاهد على هؤلاء الذين يعطون الدنيّة في دينهم ويتبتّلون في محاريبهم ويقدّمون رقابهم وكلّ مقدرات دولهم وشعوبهم تزلّفا لهذا الذي يسوسهم ويقودهم الى حيث يريد.

وقدّم شهادته على هذا العالم الذي يدّعي الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان من ناحية ومن ناحية أخرى يكيل بمكيالين اذا وصل الامر ساحة هذا الاحتلال فتجد حينها وجههم الأسود بانحياز غاشم لدولة الاحتلال ولمقولته الفاشية المستبدة.

هذه الشهادة شهادة مختلفة، أن تتحطم آمال التحرر وفرحة الخلاص من ربقة السجون وعناق الاحبة في فضاء لا قيد فيه ولا سلاسل ولا حديد، حلم يراود كلّ أسير كل ساعة ألف مرّة، ويراود أهله وذويه في الساعة الف الف مرّة، هذه اللحظة السعيدة المنتظرة ثمانية عشر عاما بكل لياليها الطويلة وأحلامها التي حفرت في هذا الليل لها ما حفرت، أن تهوي هذه الاحلام هكذا دفعة واحدة وان تغيب الى الابد، هذه رحلة الالام أوشكت أن تلفظ أنفاسها الأخيرة، وبدأت بإعداد العدة للإفراج وملء الرئة بهواء نقي لذيذ غير هواء السجن الثقيل، كل المشاعر متأهبة للحظة فرح عظيمة والقلب يتفتّح للحياة من جديد، كان لا بدّ من أن يطيل السجود شكرا لله، هذه المرّة وفي سجوده الخاشع المتبتّل القريب كانت له الشهادة ليكون حيّا عند ربّه وليغادرنا الى حياة لا نصب فيها ولا تعب، لا ترقّب فيها ولا انتظار، لا احتلال ولا ظلم ولا قهر ولا قمع سجّان ولا أيّ طغيان.

في ظل سجدته بين يدي الله تحرّر من كل معبود سوى الله، تحرّر من تسلط الاحتلال وكل من يخدم الاحتلال، شعر بأنه الحرّ المطلق المتحرّر بسجوده لله حتى من نفسه وهواها ورغبتها في تنسم حرية عزيزة في هذا الزمان، راح بعيدا الى حرية لا تسعها الأرض والسماوات، حرية يجد فيها نفسه هناك مع الرفيق الأعلى وأحرار السماء من نبيين وصديقين وشهداء سبقوه من قبل.

اطلالة مرحلة سياسية جديدة على الساحة الفلسطينية في ظلّ أوضاع عربية كئيبة على الغالب، لا يسعنا إلا أن نقرأ جيدا رسائل هذه الشهادة العظيمة وان نعي تماما أنه لم يعد هناك مزيد من القوت لتحرير اسرانا من هذه السجون. أصبحت الوحدة ضرورة والبرنامج الوطني الموحد ضرورة واولوية تحرير أسرانا اعلى درجات الضرورة.