سيناريو مفاوضات صفقة الاسرى

الخميس 17 سبتمبر 2020 10:17 م بتوقيت القدس المحتلة

في العام 2011 أسدل الستار عن واحدة من اهم صفقات تبادل الاسرى في الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، بموجبها تم الافراج عن 1027 اسيرا فلسطينيا من سجون الاحتلال مقابل الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط، بعد نحو 5 أعوام من المفاوضات المضنية، بين حركة حماس و"إسرائيل".

نهاية حرب العام 2014 على غزة أعيد فتح ملف الصفقة مرة اخرى، بعد نجاح حماس من اسر جنديين إسرائيليين خلال العدوان بالإضافة الى مواطنين إسرائيليين اخرين أسرتهم الحركة في ظروف غامضة، ومنذ ذلك الوقت تجري معركة تفاوضية بين حماس والاحتلال عبر الحرب النفسية، وسياسة الغموض التي تتبناها حماس، مقابل جدار الصمت الذي حاول نتنياهو فرضة على الملف، للهروب من الضغط الداخلية، وتأجيل الثمن الباهظ الذي ستضطر أي حكومة للاحتلال دفعه في النهاية.

الثمن الذي سيقلص القائمة الطويلة للأسرى الفلسطينيين الذين يبلغ عددهم داخل السجون في العام 2020، حوالي 5 آلاف معتقل، وفق نادي الأسير.

عند الحديث اليوم عن المفاوضات وقنوات الاتصال والوساطات المصرية فانه لا يمكن تجاهل البيئة الامنية والعسكرية المحيطة، فيما تبذل (إسرائيل) بموازاة المفاوضات جهودا أمنية استخبارية وعسكرية "مضنية" للعثور على جنودها، بما فيها الوسائل التقنية الذكية، الى جانب تشغيل عدد هائل من العملاء.

خلال الأسبوع الماضي أعيدت الحيوية للوساطة في ملف الصفقة، عبر زيارات مكوكية للوفد المصري بين غزة وتل ابيب بهدف تفعيل مسار المفاوضات.

ورغم عدم الإعلان عن أي تطور جديد بهذا الشأن، فانه يمكن تخيل سيناريو المفاوضات بناء على تجربة صفقة وفاء الاحرار التي نجحت في كسر العديد من الخطوط الحمراء والمحرمات (الإسرائيلية) في ملف الاسرى، وشكلت سابقة تفاوضية فريدة، بين الاسير والسجان، وبقواعد تفاوضية جديدة في ظل واقع أمني وعسكري وسياسي معقد، لا تنطبق عليه النظريات السياسية وموازين القوة في المعركة.

 ان التنبؤ بمآلات مفاوضات الصفقة الجديدة يقودنا الى استعادة المشهد الاخير لصفقة وفاء الاحرار في القاهرة، بعد خمس سنوات تخللتها مفاوضات بدأت من العرض صفر من قبل الاحتلال، والوساطات والقنوات السرية والعلنية، ووسائل واساليب الضغط والترهيب، استعانت خلالها (إسرائيل) بكل قدراتها العسكرية والاستخباراتية ووظفت كل خبراتها التفاوضية وتجاربها السابقة في صفقات التبادل مع جهات عربية وفلسطينية، وجندت علاقاتها الدولية والدبلوماسية، بينما اعتمدت حماس على خبرتها المحدودة والتجارب السابقة للتنظيمات الفلسطينية واللبنانية، واستخدمت سلاح النفس الطويل، الذي كان السلاح الاقوى في هذه المواجهة، مع الاصرار على تحقيق هدف رسمته قيادة حماس العسكرية منذ الايام الاولى لأسر شاليط، وهو حاضر اليوم في مفاوضات الصفقة الجديدة، وقد راكمت حماس خبرة تفاوضية وثقة عالية بالقدرة على تحقيق نتائج كبيرة.

عند الحديث اليوم عن المفاوضات وقنوات الاتصال والوساطات المصرية فانه لا يمكن تجاهل البيئة الامنية والعسكرية المحيطة، فيما تبذل (إسرائيل) بموازاة المفاوضات جهودا أمنية استخبارية وعسكرية "مضنية" للعثور على جنودها، بما فيها الوسائل التقنية الذكية، الى جانب تشغيل عدد هائل من العملاء.

لقد استعانت حكومة الاحتلال في كل مرحلة خلال 6 السنوات الماضية بوسطاء يمثلون مجسات نبض لموقف حماس، في ظل المفاوضات المتقطعة، الى جانب المعطيات الضبابية والمعلومات القليلة جدا، حيث تفرض حماس جدارا من السرية، بهدف استثمار كل معلومة، بينما تتركز مهمة حكومة الاحتلال في هذه المرحلة، على تحديد مصير جنودها وسيكون المطلب (الإسرائيلي) الأساسي في البداية،"إشارة الحياة"، وقد تكرر هذا الطلب (الإسرائيلي) مرارا وتكرارا ولكن بطرق ومناورات مختلفة.

وعليه فان نقطة التحول المفترضة لانطلاق قطار الصفقة عمليا ستكون حول الثمن الذي ستطلبه حماس مقابل "المصير" او إشارة الحياة، وهي مهمة معقدة لان الحدث يدور على عدد من الإسرائيليين أسروا في ظروف مختلفة.

لقد اعتمدت حكومة الاحتلال في مفاوضاتها مع حماس، على أفكار ومبادرات تتجاهل نتائج صفقة شاليط، وكأنها لم تكن، وحاولت استثمار البعد الإنساني لمصلحة جنودها المحتجزين لدى حماس في غزة، في حين اعتاد العالم غض البصر عن البعد الإنساني لنحو 7 آلاف فلسطيني معتقلين في سجون الاحتلال بعضهم أمضى أكثر من ربع قرن من عمره خلف القضبان، حيث تعتقل "إسرائيل" 51 أسيرا منذ ما يزيد عن 20عاما بشكل متواصل، وهم ما يعرفون بـ "عمداء الأسرى".، ومن بين المعتقلين، 541 معتقلا محكومون بالسّجن المؤبد لمرة واحدة أو لعدة مرات.

وفي حال تنفيذ الصفقة التمهيدية (الاسرى مقابل إشارة الحياة) سيتم الانتقال الى المحطة التالية: وضع أسس وقواعد ومعايير الصفقة النهائية، هنا ستدخل المفاوضات مرحلة كسر عظم، تستخدم فيها حماس والاحتلال كل الأوراق ووسائل الضغط والحرب النفسية، وستؤثر المتغيرات المحيطة على حجم وشكل الصفقة، والثمن الذي يمكن ان تقبل به المقاومة، وتستطيع "إسرائيل" ابتلاعه، وستعتمد الفترة الزمنية خلال هذه الجولة من المفاوضات على التقديرات الأمنية والسياسية، المرتبطة بالخطط والمناورات التفاوضية، بالاعتماد على سياسة حافة الهاوية، وحتى الفشل وانهيار المفاوضات، ثم العودة والفشل لمرات، يتخللها أفكار ومقترحات الوسيط لتشحيم عجلة المفاوضات، ويمكن ان تتسع دائرة الوسطاء لاستيعاب الاليات والمخرجات التي عادة ما تحتاج مساهمين في توفير متطلبات الصفقة مثل استضافة المحررين، او رفع قيمة الضمانات، وحتى تقديم حوافز للمقاومة، كما حدث في صفقة وفاء الاحرار حيث تقاسمت تركيا ودول اوربية استيعاب اسرى محررين.

في سيناريو المشهد الأخير للصفقة، سوف تبدو الخطوات الأخيرة ثقيلة، هنا تبلغ حرب الاعصاب ذروتها، والتمترس عند قبول مقترح اللحظة الأخيرة، الذي عادة ما يكون معلق على بند او بندين من بنود الصفقة، قد تكون مرتبطة بأسماء أسرى، أو ضمانات ما بعد التحرير، لكنها الساعة الاطول والاغلى بالنسبة لمئات الاسرى الذين سيرقبون مسار الصفقة، بكل جوارحهم.