كيف جمع الفلسطيني بين محبة صباح وصدام؟!

الأربعاء 07 أكتوبر 2020 12:32 م بتوقيت القدس المحتلة

توفي يوم الثلاثاء الماضي 29/9/2020م أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، ولا يسعني بداية إلا الدعاء له بالرحمة والتقدم بأحر التعازي إلى الأهل والأشقاء في الكويت. ولكن الملاحظة الجديرة بالاهتمام هي حجم التفاعل الفلسطيني مع الخبر؛ حيث أن جميع الفصائل والقوى والفعاليات الفلسطينية الإسلامية والوطنية واليسارية والمستقلة نعت الراحل وتذكرت مناقبه، ناهيك عن تفاعل الشارع وعامة الناس بنفس الطريقة، وقد تبين وكأن الراحل محل إجماع فلسطيني، خاصة في وقت هرولت فيه دول عربية نحو التطبيع، وليتها اكتفت بذلك، بل سلطت أبواقها وسفاءها لشتم الفلسطينيين واتهامهم بتهم باطلة سخيفة، وصارت تتغزل بالصهاينة غزلا لم نجده منها تجاه أشقاء وجيران…فيما كان الراحل الصباح ودولة الكويت ببرلمانها وفعالياتها على نقيض ذلك برفضهم هذا النهج بوضوح، في موقف متميز ومتقدم عن غيرهم.

هل ثمة تناقض بين تأسف وحزن الفلسطيني على الشيخ صباح، واعتزازهم وعرفانهم تجاه مواقف الكويت، وبين حب الفلسطينيين-عموما- لصدام حسين حتى الآن، حيث إن هناك من يزين جدار بيته أو جهازه الإلكتروني (جوال أو كمبيوتر) بصورته، ويتم مشاركة مقطوعات من خطاباته أو كلماته على نطاق واسع من الفلسطينيين في الفضاء الإلكتروني…هل هذا تناقض أو انفصام؟ في وقت يعرف الفلسطيني أن صدام بالذات شخصية مبغوضة بشدة من الكويت حكومة ومعارضة وشعبا. في حقيقة الأمر لا تناقض ولا انفصام، وأيضا فإن التخيير بمعنى إما أن تحب هذا وتبغض ذاك وبالعكس أمر مرفوض في الحالة الفلسطينية؛ ذلك لأن الفلسطيني عموما يحب ويتعاطف ويقف بما يستطيع مع كل إنسان أو وحدة سياسية أو اجتماعية تدعم حقوقه ولو جزئيا.

إن المجموعة الفلسطينية التي ارتبطت أيديولوجيا وسياسيا  بنظام صدام لا تكاد تذكر، ولن تستطيع الحصول على مقعد في انتخابات نقابية أو عامة، ولا يعرفهم أحد سوى المهتم، بعكس القوى والتنظيمات الفلسطينية الأخرى، وأيديولوجيا البعث لا حظ ولا نصيب لها عند عموم الجمهور الفلسطيني، مما يؤكد أن محبة صدام القائد أو الشخص ليس لقناعة بحكمه ونهجه وفكر حزب البعث، بقدر ما هو انجذاب إلى مواقفه من القضية الفلسطينية…وبالتأكيد ليس تأييدا لاحتلال الكويت، ونكرانا لفضل البلد الذي عاش فيه مئات الألوف من الفلسطينيين منهم قادة الفصائل البارزة. مضى أكثر من ثلاثين عاما على (يوم النداء) وهو التعبير العراقي عن اجتياح الكويت، وقد نشأت أجيال لم تعش تلك الأحداث، ولكنها تعيش تبعاتها على الساحة العربية، فهذا الحدث غير مسار المنطقة تماما.

خسر الفلسطينيون سياسيا واقتصاديا خسائر أقول بأنها أكبر من خسائر أي شعب آخر بكثير، فقد قاد تدمير الجيش العراقي العرب إلى خيار التسوية والمفاوضات من موقع المهزوم

لن أكون مثاليا فأقول بأن كل الشعب الفلسطيني رفض احتلال الكويت، فهذا تضليل، ولكن كم نسبة تأييد ذاك الاحتلال فلسطينيا؟ ولماذا قيل وتم الترويج الخبيث بأن الفلسطينيين يؤيدون بقضهم وقضيضهم الاحتلال العراقي للكويت؟ ولكن كان الفلسطينيون عموما يحبون صدام حسين بسبب تهديده لإسرائيل، مع أنه لم ينفذ سوى جزء ضئيل جدا منه، وظل هذا الجزء محترما لديهم (التهديد كان حرق نصف إسرائيل بالكيماوي المزدوج!) فقد أطلق صدام (39) صاروخا باليستيا قال هو أنها تصنيع عراقي كامل، وقيل بأنها صواريخ(سكود) روسية معدلة…وبغض النظر فقد فرح الفلسطينيون كثيرا عندما كانت الصواريخ تسقط على المدن المحتلة داخل مناطق الـ48 وهتفوا بابتهاج باسم صدام بسبب هذه الضربات. ولماذا يعاب ويلام الفلسطيني على هذا الموقف، إذا كان ثمة جنود عرب ضمن قوات التحالف الثلاثيني الذين تمركزوا على الحدود السعودية-العراقية أو السعودية-الكويتية قد ابتهجوا وأظهروا الفرح حينما قصف صدام-الذين هم هناك ليحاربوه- إسرائيل؟!

لقد خسر الفلسطينيون سياسيا واقتصاديا خسائر أقول بأنها أكبر من خسائر أي شعب آخر بكثير، فقد قاد تدمير الجيش العراقي العرب إلى خيار التسوية والمفاوضات من موقع المهزوم، وفقدوا الدعم المالي، خاصة مع إنهاء الكويت عقود آلاف العاملين، وهذا تسبب لنا بأزمات اقتصادية واجتماعية مؤلمة، فنحن أكبر خاسر، وإسرائيل أكبر رابح، من أية نزاعات أو حروب بين مكونات الأمة؛ فالحرب العراقية-الإيرانية جنت فوائدها إسرائيل، واحتلال الكويت وما تلاه أيضا توّج الكيان العبري ملكا غير معلن على المنطقة، ولقد بدأنا نشعر بهذا مؤخرا. وحزن الفلسطينيون على سقوط بغداد كثيرا، وآلمهم ما يرون من عربدة علوج الأمريكان في العراق، وحزنوا حين أفاقوا صبيحة يوم عيد الأضحى على خبر شنق صدام حسين.

ليس لأن صدام احتل الكويت، ولا لأنهم معجبون بحزب البعث، ولا لأي شيء من هذا، بل تذكروا أنه الزعيم العربي الوحيد الذي قصف (تل أبيب) والذي كان قبل احتلال بلاده يدفع لأسرة الشهيد الفلسطيني (15 ألف دولار) ويدفع لأسرة الاستشهادي(25 ألف دولار) في موقف قيمته لا تقتصر على المال بل له وقع معنوي ونفسي لا يخفى على أي مراقب يرى شعبا تفتك به آلة عسكرية إسرائيلية بسلاح أمريكي، وعالم يتفرج، وعرب يكتفون بإطلاق عبارات الشجب والاستنكار، ويقدمون مبادرات السلام…ومثلما صلّى فلسطينيون صلاة الغائب على روح الشيخ صباح الأحمد كما رأينا، فإنهم صلوا سابقا على روح صدام حسين.

صباح الأحمد رفض التطبيع مع الكيان العبري، ورفض السماح لطائرات (إلعال) بالعبور فوق أجواء الكويت، هي أو أية طائرات قادمة منه أو ذاهبة إليه، ورأى الفلسطينيون موقف رئيس برلمان الكويت (مرزوق الغانم) وشعر الفلسطينيون أن الكويت لا تتعامل معهم بموقف (المكايدة والنكاية) بسبب موقفهم الذي تعرفه من صدام، وبناء على هكذا موقف اتجهوا نحو تطبيع مذلّ، مثلما فعل آخرون، بل اختاروا الموقف التاريخي لا التعامل بمنطق لا يصح في عالم السياسة خاصة فيما بين الأشقاء.

الكويت موقفها من القضية الفلسطينية في هذا الظرف جيد ومحترم، ويقدّره الفلسطينيون المسيسون وغيرهم، وفي ذات الوقت يقدرون ويتذكرون صدام حسين ومواقفه وهو حتى حين نطق القاضي بالحكم عليه هتف لفلسطين

لا يرفع الفلسطينيون السقف كثيرا، فهم ليسوا نفس الناس الذين رأوا صورة صدام على وجه القمر قبل عقود، وهم يعرفون أن الكويت مرتبطة بمعاهدات خاصة مع الولايات المتحدة وأن قدراتها تظل محدودة، ولكنهم يشكرون لها ولأميرها الراحل الموقف ضمن هامش أحسنت استخدامه، وهو متاح لآخرين من العرب ولكنهم أبوا إلا التطبيع الممزوج بطعن وشتم الشعب الفلسطيني، فقضية فلسطين تعيش عصرا صار فيه المطلوب من العربي أن يقف على الحياد، بعدما كان مذموما لأنه يشجب ويستنكر أفعال الاحتلال الإسرائيلي، والآن تجد من يؤيد هذه الأفعال والجرائم، بل وتجد أمين عام جامعة اسمها(جامعة الدول العربية) تحوّل وكأنه ناطق باسم شيء آخر.

الكويت موقفها من القضية الفلسطينية في هذا الظرف جيد ومحترم، ويقدّره الفلسطينيون المسيسون وغيرهم، وفي ذات الوقت يقدرون ويتذكرون صدام حسين ومواقفه وهو حتى حين نطق القاضي بالحكم عليه هتف لفلسطين، فيما قادة عرب يتنكرون لنا، بالتطبيع والتعاون الأمني مع (الموساد) علانية، وكلنا أمل ورجاء أن يحافظ الأمير الجديد (نواف) على هذا المسار بل أن يطوّره نحو مزيد من الدعم لفلسطين وقضيتها، مع التنويه أن مساندة فلسطين وشعبها لا يلتقي مع التطبيع مطلقا…فنسأل الله أن لا نرى تطبيعا من الكويت في عهده، فيكون خير خلف لخير سلف. وكل من يساند فلسطين بسلاح وعتاد أو غذاء  أو إيواء لمشرد أو علاج لمريض، أو سماح لصياد سمك بالتقاط رزقه(!) أو فرصة عمل لعاطل أو دفاع عن الحق من فوق  أي منبر، أو في أضعف الإيمان لا يهرول نحو تطبيع علاقاته مع كيان سيضره ولا ينفعه فله نصيب من الحب والود والتقدير والاحترام عند قطاع واسع من شعب فلسطين، والعكس صحيح تماما…فلا يلومنّ أحد الفلسطيني على محبة خصمين أو حتى عدوين لبعضهما، علما بأنه حتى في الحياة الشخصية يكون موقف المرء صعبا حينما يكون صديقا لشخصين يكرهان بعضهما، فكيف في عالم السياسة والدول المتشابك؟ ورحم الله كل من وقف كليا أو جزئيا مع الحق الفلسطيني.