أَعـوَر الجـمَـال صـار قَـايِـدهَـا

الأربعاء 14 أكتوبر 2020 02:35 م بتوقيت القدس المحتلة

Untitled

خضعت المنطقة العربية خلال الأربع سنوات الأخيرة لابتزاز الإدارة الأمريكية والرئيس ترامب، ساعده في ذلك نشوب الصراعات الداخلية والأزمات السياسية المتلاحقة بالإضافة لغياب التنسيق وتراجع مستوى العلاقات بين معظم الدول العربية والسعي وراء إضعاف عواصم المركز التاريخية التي تمثل الظهير الإستراتيجي للقضية الفلسطينية، وجاءت ارتدادات التطبيع الإماراتي البحريني سريعة على آخر معاقلها باعتذار فلسطين وعدد من الدول العربية عن رئاسة جامعة الدول العربية، فكانت الضربة القاضية وباتت زعامة الجامعة العربية غير مرغوب فيها.

هذه الاضطرابات غيرت ملامح الصبغة العربية وتركت فيها ندوبا لا تمحى حين أسقطت الجامعة العربية مشروع قرار قدمته فلسطين في اجتماع وزراء الخارجية يدين اتفاق التطبيع بين الإمارات و"إسرائيل" في سبتمبر الماضي، وذابت عبارات الشجب في ظل الغلبة للمطبعين وتآكلت مركزية الصراع العربي الإسرائيلي وتم استبعاده من قائمة أولويات الأنظمة العربية وحصر بشكل تدريجي بين الفلسطينيين و"إسرائيل"، في سبيل التهرب من استحقاقات تبني مواقف رافضة للقرارات التي تهدد القضية الفلسطينية مثل قرار ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمة "لإسرائيل" ونقل سفارة بلاده إليها.

النتيجة الأخطر لهذا الابتزاز كانت فقدان الحكومات العربية القدرة على التحكم في مصائرها، نظرا لفرض الإدارة الأمريكية واقعا إستراتيجيا جديدا تمثل في نقل مركز القرار إلى بعض الحكام المهمشين اللاهثين وراء التطبيع مقابل تحقيق امتيازات مزيفة حتى وإن كان على حساب القضية الفلسطينية وزعزعة أمن واستقرار الشعوب، ووجد هؤلاء الطريق للفوز بنصيب من التأثير في المنطقة من خلال تصفية حساباتهم مع بعض الدول العربية كما حدث في حصار دولة قطر، وعاصفة الحزم في اليمن، وبقيت القرارات العربية مرهونة بما يحقق رضا البيت الأبيض عبر التسويق للتطبيع مع "إسرائيل" بإبراز التهديدات الإيرانية في الواجهة.

وجاء رد عراب التطبيع جاريد كوشنر مستشار الرئيس الأميركي بأن عدم إدانة الجامعة العربية لاتفاق التطبيع بين الإمارات و"إسرائيل" يشكل تحولا مهما لدى الدول التي تسعى لخدمة مصالحها، يسوقنا هذا إلى أن اندفاع الإمارات والبحرين وغيرهما ممن يلهثون للدخول في حظيرة التطبيع مع "إسرائيل" ليس مفاجأة، فهي في واقع الأمر لا تملك قرارها، وهو ليس صدفة؛ فتلك الدول عملت بصمت على دفع عجلة التطبيع وتحريض الدول الضعيفة في سبيل كسر الحاجز النفسي تجاه "إسرائيل"، أما السعودية فقد دفعت بالبحرين قربانا لتحقيق مكاسب قيادية كعوار الجمال ومارست لعبتها المفضوحة في تصديرها مواقف رافضة لصفقة القرن.

لا تزال الخطوات العربية تتسارع تجاه "إسرائيل" وتتخذ مسارا ممنهجاً معزولاً عن مسار النضال الفلسطيني وهو ما يباعد بين العرب وجامعتهم وبين الفلسطينيين واستعادة أراضيهم المحتلة وفق المبادرة العربية للسلام، وهو ما كان سابقا معيار العلاقات بين تلك الدول و"إسرائيل".. أنا أعتقد جازما أن إسقاط الحاجز النفسي المرهون بالمصالح مع الاحتلال الإسرائيلي يستهدف المتأخرين عن التطبيع وما أخشاه في ذلك هو أن يصبح الرافضون للتطبيع في عزلة سياسية عن الدول المطبعة ويصبح الفلسطيني وحيداً في عدائه "لإسرائيل".

ويمكن القول إجمالا أنه خلافا للمواقف الرسمية العربية التي رفضت إدانة التطبيع مع الاحتلال، لا يزال الشارع العربي يرفض أي شكل من أشكال التطبيع العربي "الإسرائيلي" قبل أن ينال الشعب الفلسطيني حقوقه التاريخية في فلسطين، وهو ما كشفته نتائج استطلاع أجرته وزارة الشؤون الإستراتيجية "الإسرائيلية" يشير إلى أن 90% من الخطاب العربي على مواقع التواصل الاجتماعي حول التطبيع مع "إسرائيل" سلبي، وأن ما نسبته 95% من الخطاب النقدي حول اتفاق التطبيع كان موجها نحو الإمارات، وهذا يمثل رهانا على الشعوب العربية التي يتمثل نضالها في دعم الحقوق الفلسطينية ورفض الكيان "الصهيوني".