في ذكرى وفاء الاحرار دروس وأسرار

الأحد 18 أكتوبر 2020 05:45 م بتوقيت القدس المحتلة

في ذكرى وفاء الاحرار دروس وأسرار

في مثل هذه الايام أسدل الستار على المشهد الأخير من قصة صراع الارادات التي استمرت على مدار خمسة أعوام خاضتها حركة حماس ضد (إسرائيل) وتوجت "بصفقة وفاء الاحرار"، او صفقة جلعاد شاليط، وها نحن نعيش الذكرى الحادية عشرة، لهذه الملحمة البطولية.

في الحادي عشر من اكتوبر 2011 وبعد جولات عديدة من المباحثات والمفاوضات غير المباشرة بين حماس و(إسرائيل) توصل الطرفان بوساطة مصرية لاتفاق يقضي بإطلاق سراح 1027 أسيرا فلسطينيا في سجون الاحتلال على مرحلتين مقابل إطلاق حماس الجندي شاليط.

نجحت صفقة "وفاء الاحرار" في كسر العديد من الخطوط الحمر والمحرمات (الإسرائيلية) في ملف الاسرى، في سابقة تفاوضية فريدة، بين الاسير والسجان، لكن هذه المرة بشروط الاسير، وبقواعد تفاوضية جديدة في ظل واقع أمني وعسكري وسياسي معقد لا تنطبق عليه النظريات السياسية، وموازين القوة في أي معركة.

معركة دارت في الخفاء على مدار خمس سنوات من المفاوضات والوساطات والقنوات السرية والعلنية، ووسائل واساليب الضغط والترهيب، استعانت خلالها (إسرائيل) بكل قدراتها العسكرية والاستخباراتية ووظفت كل خبراتها التفاوضية وتجاربها السابقة في صفقات التبادل مع جهات عربية وفلسطينية، وجندت علاقاتها الدولية والدبلوماسية.

بينما اعتمدت حماس على خبرتها المحدودة والتجارب السابقة للتنظيمات الفلسطينية واللبنانية، واستخدمت سلاح النفس الطويل، الذي كان السلاح الاقوى في هذه المواجهة، مع الاصرار على تحقيق هدف رسمته قيادة الحركة منذ الايام الاولى لأسر شاليط.

البداية كانت في سبتمبر 2006 عندما وافقت حماس على تقديم "إشارة الحياة".. بأن شاليط على قيد الحياة.

‏تم التوافق على الوسيلة، حيث وصلت الاشارة من كتائب القسام، وهي عبارة عن رسالة من ورقة واحدة مكتوبة باللغة العبرية بخط يد شاليط.

في غرفة مغلقة اجتمعت قيادة حماس التي تتواصل مع الوسيط المصري، وارتدى كل من حمل تلك الرسالة القفازات تحت ضغط اجراءات امنية معقدة، حتى لا يتركوا للاحتلال أي ثغرة يتم من خلالها تتبع خطوط التسليم والتسلم من خلال التعرف على بصمات الاشخاص الذين، تولوا نقلها للمخابرات المصرية.

في تلك الرسالة وتحديدا في 9 سبتمبر 2006 وصف شاليط احتجازه بكابوس لا يطاق وأنه أسير في غزة: "وحيدا في هذا السجن". وكانت هذه اشارة الحياة الاولى، تبعتها بعد ذلك اشارات اخرى بعضها كان مقابل ثمن مثل الافراج عن اسيرات فلسطينيات.

لقد بذلت (إسرائيل) على مدار خمس سنوات جهودا أمنية استخبارية وعسكرية "مضنية" للعثور على الجندي، بما فيها الوسائل التقنية الإلكترونية الدقيقة، بجانب تشغيل عدد هائل من العملاء، ووصل الأمر بها لأن تعلن عن منح جائزة تقدر بـ 10 ملايين دولار لكل من يدل على مكان أسره، ولم يكن لكل هذه المغريات أي أثر أو جدوى.

كما طرحت خلال سنوات المفاوضات العديد من الأفكار والمبادرات، وحاول الاحتلال استثمار البعد الإنساني لمصلحة الجندي المحتجز في غزة، في حين كان العالم يغض الطرف عن معاناة عشرة آلاف فلسطيني معتقلين في سجون الاحتلال بعضهم أمضى ربع قرن من عمره خلف القضبان.

اللفتات الإنسانية أخذت حيزا من تلك المفاوضات وكانت (مادة التشحيم) لعجلة الصفقة نجحت إحداها (أكتوبر 2009) في تحرير تسع عشرة أسيرة فلسطينية مقابل شريط مصور للجندي غلعاد شاليط، وعرفت آنذاك بصفقة "الشريط مقابل الأسيرات"

لم تكن مفاوضات (إسرائيل)- حماس سهلة ليس لأنها تدور حول عملية تبادل أسرى معقدة تكسر الخطوط الحمر والمحرمات (الإسرائيلية)، بل لأن حماس كان لديها فيتو على التفاوض المباشر مع الاحتلال.

ومن كواليس المفاوضات انه بعد تولي ديفيد ميدان الملف طرأ تطور لافت على نمط وأسلوب المفاوضات، وعرض "ميدان" التفاوض مباشرة مع الجعبري بالطريقة التي تختارها حماس، لكن الجعبري رفض مقترح (إسرائيلي) يقضي بالتفاوض مباشرة مع ميدان في غرفة مغلقة، ورفض حتى التواصل بوسيلة مثل فيديو كونفرنس أو سكايب.

لقد فتحت عملية أسر شاليط في 2006 وصفقة تبادل الأسرى شهية عدد من الأطراف الإقليمية والدولية للعب دور الوسيط وتحقيق مكاسب سياسية بل حتى مكاسب شخصية لبعض الساسة ورجال المخابرات والمتقاعدين.

وكان هناك دور بارز للرئيس السابق لجهاز الاستخبارات الألمانية (BND) جيرهارد كونراد، الذي أخفق في النهاية رغم نجاحه في انجاز صفقة تبادل بين (إسرائيل) حزب الله في 2008، لأنه لم يقدم لحماس ما طلبته من ثمن.

ولا يمكن ايضا تجاهل جهود الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية التي ظهرت من خلال نشاط الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر، اما اللاعب الأهم فكانت المخابرات المصرية، وهنا ينبغي تذكر دور مدير المخابرات المصرية الأسبق عمر سليمان الذي سيطر على وساطة الملف حتى خلع حسني مبارك في فبراير 2011.

وهكذا بقي الملف في حضن المخابرات المصرية بعد خلع مبارك، وأهم الفاعلين في الجهاز عل مدار خمس سنوات كان رئيس الجهاز مراد موافي، ثم الوكيل محمد إبراهيم الذي كانت له مساهمات كبيرة في إدارة المفاوضات مع الاحتلال، واللواء نادر الأعسر الذي لعب دورا بارزا في الوساطة خلال الشهور الأولى بعد أسر شاليط، وكذلك اللواء رأفت شحادة.

لقد تركت عملية اسر شاليط، ثم الاحتفاظ به اسيرا على مدار خمس سنوات به تحت انف الاحتلال، وصولا للمفاوضات وإنجاز الصفقة... تركت ندبة عميقة على جبين الاحتلال، وقد اعترف رئيس الشاباك السابق يوفال ديسكين بفشله الشخصي، كذلك وريثه في المنصب يورام كوهين اعترف بفشل الشاباك أيضا. وهنا الحديث عن فشل عدة أجهزة، وليس جهاز واحد فقط، حيث أن الوحدة 8200 التابعة لشعبة الاستخبارات في جيش الاحتلال، ومهمتها جمع المعلومات المركزية، تتحمل مسؤولية الفشل أيضا وإن كان بنسبة أقل.

كما اقر رئيس الموساد السابق مئير دغان ومع تركه لمنصبه في مطلع العام 2011 بالفشل في الحصول على معلومات عن مكان احتجاز شاليط، مشيرا إلى أن ذلك كان الفشل الأكبر في ولايته في رئاسة الموساد.

المصدر : شهاب