معركة ماهر الأخرس بإضرابه المفتوح في يومه التسعين

الثلاثاء 27 أكتوبر 2020 11:41 ص بتوقيت القدس المحتلة

معركة الإضراب المفتوح عن الطعام وسبر أغوارها والإحاطة بكل أبعادها تحتاج لمن خاض التجربة أن يكتب عنها، لا أدعي ذلك إلا أني خضت ثلث تجربة مقارنة بتجربة ماهر الأخرس، فهل يجيز لي إضراب ثلاثين يوما أن أتجرأ وأكتب عن تجربة التسعين يوما؟

أستذكر تجربة النمر في قصة زكريا محمد مع المروّض الذي يجيد تحويل النمور من أكل اللحوم إلى أكل العشب، ومع كل أسبوع خطوة تبدأ بأن يوافق النمر على يوم في الأسبوع ليأكل فيه الأعشاب، ثم تنتهي نهاية خطواته الشريرة بأن يكون آكل عشب بامتياز ومن ثم ينهق نهيق الحمار. هم بهذا الأسلوب يستهدفون النخبة النشطة سياسيا لدفعها للانتحار السياسي أو تجميد دماء التغيير في عروقها وتحويلها الى مجرّد كمّ رقمي لا "يهشّ ولا ينشّ"، وليس له قيد أنملة في الشأن العام لشعبة ووطنه.

والاحتلال لا يدرك أن هذه التجربة تفشل فشلا ذريعا على المعتقل الفلسطيني، خاصة هؤلاء الذين يرفعون لواء كرامتهم وحريتهم من خلال أمعائهم ويقرّرون خوض معركة ضروس، وعدم الاستجابة مطلقا للخطوة الأولى بالقبول بمبدأ اللعبة التي تسمّى الاعتقال الإداري، بل هم يقرّرون قلب السحر على الساحر وترويض هذا المحتل على الانصياع لإرادتهم الحرّة وقفل هذه اللعبة السادية بالطريقة التي يريدونها، من خلال حشره في الزاوية وتعريته من كلّ ادعاءاته الباطلة عن القيم الإنسانية التي لا علاقة له بها لا من قريب ولا من بعيد. على الاحتلال أن يعلو نهيقه وعلى الفلسطيني أن يعلو بصوت الحريّة والسيادة الوطنية التي لا تروق لهذا التوحش الاحتلالي البغيض.

من لحظة اتخاذ قرار الإضراب إلى لحظة القرار بوقف الإضراب مسافة طويلة وساحة معركة مريعة تتخذ من كلّ ثانية لتسجّل فيها انتصارا أو هزيمة، سترابط على ثغور الزمن الذي لا يبدو أنه يتزحزح من مكانه، ستجالد سيوفهم بكلّ صلابة وثبات في ميدان نفسيّتك.. على هذه النفسيّة أن تتكسّر عليها نصال سيوفهم، أنت لا تملك سيفا ولا تقوى على رفع يدك، فقط تملك إرادة وعزيمة تستمد وقودها من إيمان وقر في صدرك وقرار شحذ همّتك للمواجهة ودخول المعركة.

ولا بدّ من الإشارة بين الفرق الهائل بين طرفي المعركة من حيث القوة والاستعدادات: فسلطات الاحتلال تملك مكان المعركة بكل تفاصيله، أدوات المعركة مفتوحة بين يديها، من أدوات قمع مباشر أو غير مباشر، حيث تسخّر الإعلام وتفتح له أو تغلق حسب رغبتها في توجيه الاشتباك إلى حيث النهاية التي يريدونها، وتملك الإجراءات القانونية والقضاء الشكلي الذي يستجيب إلى دهاقنة مخابراتهم، وتملك البوسطة والعزل، بينما المعتقل المضرب ليس له من هذه الأدوات المادّية أيّ شيء، ليس له إلا وقفة شعبه معه ومن حركات تضامن محليّة وعالميّة.

لا بد من الوقوف على دوافع هذه المعركة غير المتكافئة إلى أبعد الحدود، فالسبب الرئيس الذي دفع المعتقل ماهر ومن قبله إضرابات كثيرة جماعية وفردية لذات السبب، هو الاعتقال الإداري سيئ الصيت والسمعة.. أن تصادر حريّتك وتزج في السجن دون أن تعرف تهمتك أو أن يكون لك ملفّ، ثم لا تدري كم ستمكث في السجن؛ سنة أو سنتين أو خمسة. تدخل زنزانة لتركز ربابتك وتنتظر التجديد تلو التجديد إلى أن يتغيّر مزاج من حبسك ويقرّر الإفراج عنك.

وهنا لا بدّ من التنويه إلى أن هذا النوع من الاعتقال يجري فيه تعذيب أهل المعتقل أيضا من خلال هذه الحرب النفسية المفتوحة، فهي تطال الزوجة والأم والولد، وهم يترقبون نهاية كل مدة تجديد لتصفعهم مدّة ثانية في اللحظات الأخيرة، إنها قوة رادعة تدفع الأهل ليمارسوا الضغط الذي يريده المحتل كي لا تتكرّر التجربة المرة مرّة ثانية.

ليس سهلا على المعتقل اعتقالا إداريا اتخاذ القرار بفتح الإضراب المفتوح عن الطعام، إذ أنه يدرك تبعات ذلك ولكنه في نفس الوقت أمام خيارين صعبين للغاية: أن يتجرّع مرارة الاعتقال الإداري ويدفن نفسه في بطن الحوت وأن يتحمّل عصاراته النتنة، أو يضع نفسه طيّعة لينة بين يدي ماكينة الترويض التي نجحت في ترويض كثيرين قبله وفشلت مع كثيرين.. أم يدخل المعركة ويواجه بجبروت إرادته التي يعتقد جازما بأنها لن تنكسر لهم أبدا.

القرار في غاية الصعوبة ويحتاج لدراسة الوضع الخارجي ومدى حركة الشارع الفلسطيني معه والأحداث السياسية المحيطة: هل هناك ما سيحجب الرؤية الإعلامية عن إضرابه أم أن الأمر مناسب؟

ثم تبدأ المعركة بأوّل أربعة أيام مشحونة بصداع قاس وإهمال متعمّد من قبلهم، طبعا يُجرّدونه من كل وسائل الأخبار، لا راديو ولا تلفاز، ويعزلونه في زنزانة انفرادية. هناك بيئة مختلفة، إذ تختلط فيها زنازين عتاولة الإجرام بزنازين معتقلين سياسيين، وكلّ له نمط حياة مختلف، ينقلب ليلهم نهارا ونهارهم ليلا، وتستمع إلى كل ما يسوء الأذن والقلب من شتائم وصراخ من أولئك الجنائيين الذين جاءوا من خلفية المخدرات وجرائم القتل والإجرام.

ثم تأتي مرحلة الدوران وفقدان التوازن وزوغان المعدة وألم المفاصل، وتهاوي الجسد وضعف القدرة على الحركة، وبدء نقصان الوزن بشكل ملحوظ وسريع، عندها تتوقّف عقارب الساعة ويطير النوم من العيون، وتدخل مرحلة الهواجس والخوف على تدهور صحّي مفاجئ، وعندها يحضرون ميزانهم وقياس الضغط لتفاجأ بأحوالك الجديدة، يطلّون عليك بجمل مقتضبة مدروسة ليوهنوا عزائمك، ولتدرك أن مشوارك طويل طويل ولن يستجيب لمطالبك أحد.

عندما تتجاوز الأيام العشرة الأولى يغادر الصداع ويحل مكانه الهزال، وقد تدخل على الخط محاولات الاختراق عبر مفاوضات سوداء لا تأتي بخير، هنا المضرب يحارب على عدة جبهات:

- جبهة الأمعاء الخاوية والعروق الناضبة والأعصاب المنهكة، هي متطلبات الجسد العضوية تضرب مخالبها في روحه وتطالب بعنف شديد باستحقاقاتها الطبيعية، ومطلوب منه أن يصدّها ويتحايل عليها ويوهن من آثارها في روحه ونفسيته.

- جبهة الحرب النفسية التي يشنّها السجان عليه وهو صاحب خبرة في هذا الميدان. وفي العشرة الثانية للإضراب تكون مرحلة استكشاف لمدى قوة وتحمّل هذا المضرب عن الطعام، ويجري التعتيم الإعلامي عليه ويمنع أيّ تسريب منه للخارج بمنع المحامين من زيارته، وإحاطة زنزانته بحراسة مطبقة تمنع أيّ تسريب، ويبدأون هم بتسريب أخبار كاذبة إليه.

ولا حدود هنا لانعدام أخلاقهم، قد يستخدمون على سبيل المثال الجهاز الطبي من ممرضين وأطباء لعكس وضع المعتقل الصحيّ وإظهاره بأنه في غاية الخطورة، وأن الإضراب يشكّل خطرا كبيرا على حياته، وكذلك يوصلونه إلى تصور بأن الوضع في الخارج لا يبالي به أحد، وأنه ليس معه نصير أو متضامن أو حركة شارع أو إعلام، وكذلك في السجون لا يؤيدون إضرابه وأنهم ضد الإضرابات الفردية.. الخ.

- جبهة الشارع الفلسطيني وحركته ومدى تفاعل الناس معه، وكيف يجعل من ذلك ضغطا على الاحتلال بدرجة كافية لتدفعه للتفاوض والاستجابة لمطلبه. وهنا لا بد من التنويه إلى أن الاحتلال لا يستجيب الا إذا رفع المستوى الأمني تقريرا للمستوى السياسي يوحي بأن الأمر قد أصبح يشكّل خطرا على أمن الاحتلال.

- الحركة الإعلامية مع الإضراب، وهذه تبع لحركة الشارع وضغطه.

في العشرين الثالثة للإضراب تتضاعف أعراض الإضراب، من هزال ودوران وشعور دائم بالإرهاق الشديد، وتصبح الحركة صعبة وخطرة ويصبح النوم نادرا. وهنا لا بدّ من التنويه إلى أن القفز في توصيف حالة المضرب كل عشرة أيام فيه تجنّ شديد عليه، إذ أن كل يوم يعتبر حقبة كبيرة من الزمن البطيء ورهافة الحسّ التي تجعل من اليوم كسنة من العذاب.

ثم ندخل مرحلة النقل إلى المستشفى الذي تربط فيه قدمه ويده في سرير محاط بحراسات عسكرية مشدّدة، يتحوّل المكان إلى ثكنة عسكرية وتستمر فيه لعبة التقارير الصحيّة الكاذبة ومناورات تفاوضية تستهدف إضعاف روحه المعنوية والكشف عن ثغرات.

وتشترك المحاكم العسكرية أيضا مع الفريق المحارب المعادي، فيأتون المعتقل بالتجديد وهو في أشدّ حالات معاناته. وقد تدخل المحكمة وإن كان مسمّاها "عليا" لعبة المخابرات في الاعتقال الإداري، فتصدر قرارات غير واضحة لخداع الأسير المضرب، فينهي إضرابه على نتيجة صفرية لا ينال من إضرابه إلى آلامه وجوعه.

في العشرة الرابعة يتوقّف القلم ويجفّ حبره، حيث يصل المضرب إلى حافّة الموت، ويصبح وقد تنازعت نفسه يد الموت ويد الحياة لا يعرف أيهما أقرب اليه وإلى حبل وريده، ينزل النبض والضغط وكلّ ما فيه من شذرات الحياة المتبقية بين جنبيه. كل يوم جديد يضاف إلى رصيد إضرابه ما هو إلا نقلة نوعية للحضارة الإنسانية وبعث عال للروح البشرية الخالدة، وكشف لتلك الروح الخبيثة التي تسري في جسد هذه الدولة النكدة التي تتوحّش وتمعن في إجرامها وساديتها المقيتة.

ماهر الأخرس يواصل ذات الطريق التي خطّها أسرى هذا الكيان، ويضيف ملحمة جديدة إلى ملاحم البطولة والفداء. إضرابات كثيرة خاضتها جموع الأسرى وإضرابات خاضها أسرى بمفردهم، واجه أحدهم بلحمه ودمه، أعزل من كل سلاح، دولة مدججة بكل أنواع السلاح.

المعتقلة عطاف عليان خاضت إضرابا وحدها أربعين يوما وضعت فيه حدا للاعتقال الإداري للنساء سنة 1997.. خضر عدنان في إضراب غير مسبوق وصل إلى 66 يوما، ليتحدد فيه موعد الإفراج، ثم توالت الإضرابات بين المعتقلين والمعتقلات إلى أن بلغ ماهر الأخرس التسعين يوما..

القلم يتوقف ولا يستطيع اللحاق بهذه الأيام القاسية التي تحتاج إلى ذاك النبض المنخفض عضويا والمرتفع جدا روحيا ليكتب عنها بكل صدق وجدارة.

لا بدّ لحركة الشارع أن تستجيب لهذا القلب الذي يحيي أمة ويبعث أملا ويسطّر صفحات في سفر البطولة والخلود. لا بدّ أن تنتفض وتتحرّك حركتها قبل فوات الأوان وضياع هذا الأمل المتبقي فينا.