لماذا جعلوا النبيّ إخوانيّا؟

الأربعاء 28 أكتوبر 2020 09:46 ص بتوقيت القدس المحتلة

من النقد الكلاسيكي الذي يُوجه للإسلاميين عادة، والإخوان منهم على وجه الخصوص، الروحية العامّة التي تَلُفّهم، وتشي وكأنهم يطابقون بين أنفسهم والإسلام. وبالرغم من أنّ الإخوان على المستوى النظري ينصّون وبإلحاح، منذ تأسيسهم، على أنهم جماعة من المسلمين، لا جماعة المسلمين، وتخلو مسيرتهم في جملتها، ولا سيما في العقود الأخيرة، من أيّ مسلك تكفيريّ، وتشتهر عنهم سياسة التقريب والتعاون عموما، وإعذار المخالف في الدائرة الإسلامية خصوصا، وهي السياسة التي جعلتهم محلّ نقد الجماعات الجهادية والتيارات السلفية، بل وحتّى التيارات الدينية التقليدية، فإنّ ممارستهم حبسها خصومهم في قفص التشكيك الدائم، وخطابهم أخضع لأدوات تأويل متعسفة، فيحمل أحسن كلامهم على محمل تكفيريّ، أو محمل احتكاريّ للإسلام.

وهذا النقد، في مستويات دون تحامل خصومهم، موجود بين جماعات الإسلاميين، ولدى مثقفين يقفون على تخوم الحركات الإسلامية، كانوا فيها وخرجوا، أو لم يلجوا أصلا، أو ظلّوا فيها بنزعة نقدية، تلحظ قدرا من تلك الروحيّة العامّة، له تفسيره التاريخي والاجتماعي، ولكنه بالتأكيد ليس بالقدر الظالم الذي يتصوّره خصوم الإخوان المسلمين تحديدا.

المفارقة اليوم، أنّ الخصوم الذين يتهمون الإخوان بمضاهاة أنفسهم بالإسلام، هم الذين يقصرون، بلسان الحال ولحن الخطاب، الإسلام على الإخوان، ويخرجون أنفسهم من قضايا المسلمين، بالانحياز الصريح لقوى اليمين العالمية المعادية للإسلام

المفارقة اليوم، أنّ الخصوم الذين يتهمون الإخوان بمضاهاة أنفسهم بالإسلام، هم الذين يقصرون، بلسان الحال ولحن الخطاب، الإسلام على الإخوان، ويخرجون أنفسهم من قضايا المسلمين، بالانحياز الصريح لقوى اليمين العالمية المعادية للإسلام، بزعمهم أنّ مواقف تلك القوى تستهدف "الإسلام السياسي" لا الإسلام!
قضية الرسوم المتطاولة على جناب النبيّ صلّى الله عليه وسلم، كاشفة تماما للخندق الذي يعسكر فيه خصوم الإسلاميين، من الدولتِيّين وأصحاب الخطاب اليميني الوطني الشعبوي الأهوج، وحلفائهم من قوى متعلمنة يعميها الحقد الأيديولوجي عن رؤية الأشياء في الواقع كما هي، وذلك على نحو يسقط ببعض الدول العربية وأنظمتها سقوطا مريعا، للقضية الكاشفة هذه المرّة، وبما لا يحتمل التأويل أبدا.

قضية الرسوم المتطاولة على جناب النبيّ صلّى الله عليه وسلم، كاشفة تماما للخندق الذي يعسكر فيه خصوم الإسلاميين، من الدولتِيّين وأصحاب الخطاب اليميني الوطني الشعبوي الأهوج، وحلفائهم من قوى متعلمنة يعميها الحقد الأيديولوجي

حاول خصوم الإسلاميين في الساحة العربية، وتحديدا المرتبطين منهم بالدولة وأجهزتها، الدفاع عن الإجراءات والقوانين الفرنسية الأخيرة، التي تزعم مواجهة ما أسمته "الانفصالية الإسلامية"، تلك المحاولات البائسة كانت تقصر عن رؤية الجذر الأيديولوجي في السياسة الفرنسية المنبثق عن رؤية جمهورانية، عاجزة عن قبول الاختلاف واحتوائه ودمجه.

ذلك القصور في إدراك الأبعاد المركبة للسياسات الفرنسية، التاريخية والأيديولوجية والسياسية الاقتصادية الراهنة، ناجم عن قصور بنيوي عضوي في الشعبوية الدولتية العربية الراهنة، وعن اصطفاف مع أيّ عدوّ للإسلاميين، حتّى لو كان عدوّا للإسلام، جراء التمحور الجاري حول العداء للإسلاميين، واتخاذه مركزا للدعاية الجديدة، في محاولة إعادة صياغة الدول الوطنية، وتحالفاتها الإقليمية، وبما يستدعي دمج "إسرائيل".

بيد أنّ المواربة والمخاتلة إذا كانت متاحة لإرادة التضليل في الدفاع عن تلك القوانين والإجراءات، فإنّها عاجزة أبدا، إذا تعلّق الأمر بالنبيّ صلّى الله عليه وسلم، الذي هو نبيّ المسلمين جميعا، لا الإخوان ولا الإسلاميين، ولا الأتراك، فلا حجة يمكن تعقلها في الدفاع عن ماكرون الذي تبنّى الرسوم المتطاولة على النبيّ صلّى الله عليه وسلم.

الرسوم لا تسيء لحسن البنا أو سيد قطب أو أيّ شخصية إخوانيّة، ولكنها تتطاول على النبيّ صلّى الله عليه وسلم، بما يستدعي موقفا عامّا وواحدا للمسلمين، بما في ذلك من دولهم، فإن لم يكن لأسباب مبدئيّة من تلك الدول، فليكن لأسباب ذرائعيّة لقطع الطريق على الإسلاميين

بوضوح، تلك الرسوم لا تسيء لحسن البنا أو سيد قطب أو أيّ شخصية إخوانيّة، ولكنها تتطاول على النبيّ صلّى الله عليه وسلم، بما يستدعي موقفا عامّا وواحدا للمسلمين، بما في ذلك من دولهم، فإن لم يكن لأسباب مبدئيّة من تلك الدول، فليكن لأسباب ذرائعيّة لقطع الطريق على الإسلاميين والمزاودة عليهم بتبني قضية دينية كهذه، ولمزيد من الدعاية والترويج الداخلي، إلا أنّ الاختيار كان مختلفا تماما هذه المرّة، بالسكوت الطويل والمريب، ثم بدفع الأدوات الإعلامية للدفاع عن ماكرون والانحياز لفرنسا، ومحاولة تزوير الصورة العامّة للقضية بجعلها استهدافا فرنسيّا مشروعا للإخوان المسلمين والإسلام السياسي، والسعي لكبح حملة مقاطعة البضائع الفرنسية، والتي جاءت في وقت حرج بالنسبة للسعودية التي تحرّض على مقاطعة البضائع التركية، بما يعرّي سياساتها الراهنة. ولما بات الموقف محرجا للغاية، صار اللجوء إلى التنفيس بدفع بعض الهيئات الدينية لإصدار بيانات استنكارية باهتة، لا ترى مشكلة في الرسوم المسيئة سوى أنها تخدم "المتطرفين" من المسلمين!

هذا الانكشاف مريع وغير مسبوق، ومتخبط في حمأة من العار مذهلة، وأخطر ما فيه أنه يكشف عن المديات التي وصلتها بعض الأنظمة في المنطقة العربية، والتي يمكن إدراج التحالف مع "إسرائيل" في سياقها. ومن هنا يأتي تصوير قضية إسلامية عامّة، وكأنّها قضيّة إخوانيّة خاصّة. وبقدر ما في هذا التصوير من هوس، إذ الإخوان أضعف من أن يوجّهوا حملة بهذا الحجم، وبقدر ما فيه من تناقض مع اتهام الإخوان باحتكار الإسلام والحقيقة الدينية، إذ خصومهم هذه المرّة يخصّونهم بالنبيّ محمّد صلّى الله عليه وسلم، فإنّ فيه كشفا عن موقف من الإسلام نفسه.

مضاهاة خصوم الإخوان بين الإسلام والإخوان، هو إعلان صريح بالحرب على الإسلام، لأنّ الخصوم أنفسهم يشنّون هذه الحرب على الإخوان، وهم الآن يجعلون النبيّ إخوانيّا، ولن يحتاج أحد إلى بذل جهد يذكر في جمع عشرات التغريدات والمقالات اليومية التي تطعن في الإسلام نفسه، من الأدوات الإعلامية لهذه الدول المتحالفة مع "إسرائيل"، وما هذا التحالف إلا اصطفاف كامل مع الأخيرة، بكل أهدافها ووسائلها، وهو ما يستدعي تعاونهم على مسخ الإسلام ونسخه، هذا فضلا عن رؤيتهم في الإسلام المادة الأساس التي ينطلق منها الإسلاميون المسيّسون والحركيّون، وقبل ذلك وبعده، احتقار هذه النخبة الحاكمة، وأدواتها المتصلة بها، لبيئتها الإسلاميّة والعربية، في ضرب من كراهية الذات والشعور بالنقص، ورغبتها في الانسلاخ من الذات، ولا شيء سوى هذا يفسر غرامها بـ"إسرائيل"، واصطفافها ضدّ النبيّ صلّى الله عليه وسلم.