قراءة في رواية “الطريق إلى شارع يافا”

الأربعاء 04 نوفمبر 2020 08:46 م بتوقيت القدس المحتلة

قراءة في رواية “الطريق إلى شارع يافا”

بدأت أقرأ كما كل قارئ يستطلع الصفحات الأولى، هل ستشده فيكمل أم تصده فيترك؟! وكما ندرك جميعاً أن الرواية الجيدة هي الرواية التي تأخذك حيث المكان والزمان، فتصعد الجبل الذي يصفه الكاتب، وتشعر برطوبة المغارة التي تشهد الحوار، تراقب المشاعر والعبرات وكأنك أحد أفراد العائلة التي تستقبل ابنها المحرر من غيابة السجن.

رواية “الطريق إلى شارع يافا” نجحت في أن تنقلني إلى شوارع نابلس وبجوار أسوار القدس وبالقرب من حواجز المحتلين. رواية تتميز بأنها تدمج بين الأحداث الحقيقية وأحاديث النفس وحوارها الداخلي، لشباب يعيشون ظروفاً أقل ما توصف بأنها استثنائية، فهم مطاردون من عدو وصديق! ومراقبون من دواخلهم خوفاً من الخطأ الذي لا يمكن تصحيحه، ومن محيطهم الذي قد يراهم بعضه أملاً في الحرية أو تهديداً لطمأنينتهم المسروقة.

لقد أحسن الكاتب “عمار الزبن” في إثراء القارئ بمعرفة لم تكن تتوفر بغير رواية أدبية، تجمع بين أدب السجون الذي يعكسه كونه أسيراً يقضي حكماً بـ 26 مؤبداً وخمسة وعشرين عاماً أخرى، وبين أدب المقاومة الذي يجسد زمناً غيبت الدواعي الأمنية نقله وروايته. ولعل معرفة الاسم الحركي لـ “المهندس” الأكثر شهرة في التاريخ الثوري الفلسطيني “يحيى عياش”؛ “أبو العبد” لقب المهندس بين مجموعات المقاومة السرية التي تدين له بصناعة التركيبة الكيميائية التي منحت ملايين العرب والمسلمين حياة الثورة وفرحة النصر على عدوهم الصهيوني. وكانت “أم العبد” هو اسم تلك التركيبة التي حملتها حقائب الشهداء وأحزمتهم بين شوارع الضفة الغربية وقراها وصولاً إلى شارع يافا حيث نهاية الرواية التي يرى الكاتب أنها جزء من قصة لم ينتهي من روايتها بعد.

قد يرهقك في البداية كثرة الأسماء والشخصيات لكنك مع قليل من الاندماج ستتعرف أكثر على أبطالها، أولئك الذين أجاد الكاتب التعريف بهم ضمن تفاصيل متعددة ومواقف متباينة، على نمط الدراما المؤثرة. وعلى ذكر الدراما، فلقد قرأت الرواية وأنا أراها حلقات درامية تحتاج إلى مخرج ماهر وممثلين بارعين، فهي تحمل لوحات فنية لا تخلو من المفاجأة الدرامية، والحبكات القصصية، والمؤثرات الحوارية.

إنها رواية تمثل نقلاً موضوعياً لحياة المطارد وعرضاً إنسانياً لحالته النفسية وصعوبات متعددة لمطاردة مزدوجة من مخابرات الاحتلال والسلطة! ومما يلفت الانتباه رغم أن عمار هو أحد شخصيات الرواية إلاّ أن ذلك لم يمنعه من عرض واقعية الأحداث رغم سلبيتها، فيعرض لمشهد اعتذار الاستشهادي عن العملية قبل التنفيذ في التلة الفرنسية يعكس طبيعة النفس البشرية عند لحظة الصفر وما يصاحبها من حديث نفس ووسوسة خناس، وفشل عملية “طنجرة الضغط” عند قبر يوسف رغم بساطة فكرتها وعفويتها التي تعكس البدايات الحالمة. كما أن شح المعلومات ومفاجآت الفرق بين قوة العدو وجرأة المقاومة، تجلت في عرض فشل عملية البيرة بسبب جهلهم بوجود “الزجاج المصفح” على نوافذ الباص الذي يحمل قيادات أمنية في الجيش الإسرائيلي.

لم يبالغ الكاتب في الأحدث رغم حاجة الرواية عادة للصدمة الدرامية، التي ربما يمكن جبرها في العمليات الفنية التي يملكها المخرج ولا يملكها المؤلف. لم تخل الرواية من الحب والعاطفة، التي ربما تحد منها خصوصيات الكاتب أو أيدولوجيا المقاومة، غير أن خيال الكاتب قد منح طيف الحب وحوار العشق مساحات درامية مختلطة بين مشاعر الأم وهي تودع ابنها أسيراً أو تستقبله محرراً، وحرقة دموع الزوجة التي يكويها الشوق كلما لاحت لحظة الفراق الحتمية!

لو كان لي أن أختار عنواناً للرواية تعديلاً وليس تحويراً لكان النصف الثاني من العنوان يكفي، “شارع يافا” تركيب يحمل معالم وطن مسلوب ويرسم رمزاً من الثورة، يستدعي عشق ليمونها اليافوي. ولا شك أن رمزية العنوان معلم من معالم الجذب، فالغموض المتناقض مع الوضوح هو أقوى مؤثر في رواية توثق الثورة وتعيد رسم ملحمة من ملاحم المقاومة الفلسطينية. وطالما بقيت عروس البحر أسيرة المحتل الغاصب فإن الطريق إليها لا يخلو من الثائرين.