خسارة ترامب، والحال بين العهدين

الخميس 12 نوفمبر 2020 03:28 م بتوقيت القدس المحتلة

بدأ الاهتمام العربي بهذه الدورة من الانتخابات الرئاسية الأمريكية منذ مطلع العام الجاري تقريبا، فحلفاء ترامب في محور التطبيع العربي كانوا مستعدين لفعل أي شيء في سبيل إعادة انتخابه، وظنوا أن مسارعتهم لتوقيع اتفاقيات التحالف مع كيان الاحتلال الإسرائيلي ستمنح ترامب دفعة قوية تعزز حظوظه في الفوز، وكأنّ الناخب الأمريكي يفكر في ما هو أبعد من مصالحه عند الإدلاء بصوته.

خسر ترامب السباق الانتخابي، بعد أن كان يعوّل كثيرًا على الفوز، ومثله من يشتركون معه في الصفات والسياسات وطرائق التفكير والمواقف المتطرفة، بدءًا بنتنياهو ووصولًا إلى عرّابي التطبيع من حكام السعودية والإمارات ومصر، ومن الطبيعي أن نبدي من الفرح لخسارة ترامب قدرَ ما سيبديه كل حلفائه في منطقتنا من أسًى وتشاؤم، دون أن يعني فرحنا لخسارته الإسراف في الرهان على الرئيس الجديد جو بايدن.

على الصعيد الفلسطيني، كان ترامب أكثر تطرفًا من أي رئيس أمريكي سابق في انحيازه المطلق للاحتلال، وكان عدوانه على الحق الفلسطيني شاملا، ولم يقتصر على الاعتراف بالقدس عاصمة لـ"إسرائيل" ولا على نقل سفارة واشنطن إلى القدس، بل طالع عدوانه وكالة غوث وتسجيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) حيث تم قطع المساعدات الأمريكية عنها، إلى جانب تدخل إدارته في مخصصات الأسرى والشهداء واشتراطه وقفها مقابل دعمه لخزينة السلطة الفلسطينية، بمعنى أن ترامب كان يصنف إسرائيليًا بأنه رئيس مثالي، فعل ما لم يفعله أحد، ودشّن صفقة القرن التي كانت إعلانًا صريحًا بتصفية القضية الفلسطينية من جميع جوانبها.

لكن كل هذا لا يعني أن خليفته في الحكم (جو بايدن) سيتراجع عن كل السياسات التي أقرها ترامب، وخصوصًا تلك المتعلقة بالقضية الفلسطينية، فأمن ومصالح الاحتلال ثابت من ثوابت الإدارات الأمريكية كلها، إنما قد تحدث تغيرات معينة في السياسات الفرعية، وقد يتم تجميد قرارات معينة، وقد تتأثر من جهة أخرى السرعة التي كان يمضي بها قطار التطبيع العربي مع كيان الاحتلال.

هناك من يرى أنّ في تطرف ترامب ووقاحته ووضوحه في عدائه لمجمل قضايانا خيرًا، بدلًا من السياسات الأمريكية الملتوية وغير المباشرة في نواياها، ولكن علينا أن نسأل هنا: ما الذي جنيناه من كل ذلك التطرف غير مزيد من الخسائر؟ وهل كانت لدينا قوة يمكن أن تنهض بالحد الأدنى لمواجهة تلك الصلافة وردّ ذلك الشرّ المطلق في السياسات الأمريكية في عهد ترامب؟.

إن القوي هو فقط من يملك أن يتمنى عدوًا واضحًا ومكشوف النوايا ومتطرفًا في سياساته، لأنه يملك ما من شأنه أن يجابه هذا الواقع متسلحًا –إلى جانب قوته- بمسوّغات المواجهة والقطع التام مع عدو كهذا، أما الضعيف التائه فلا يملك دفع استحقاقات المفاصلة العالية، ولا استثمار الثغرات الناشئة عنها لصالح مشروعه، ولذلك لن يكون مؤهلًا لتوظيف تطرف عدوه في سياق يتيح له جني ثمار آنية وتحقيق مكتسبات سريعة.

بل إن خسارة ترامب قد تمهد لواقع أفضل من ذاك الذي سيصنعه فوزه، وقد ظهرت بوادر الواقع الجديد عبر إرهاصات الانقسام أو الاصطفافات الحادة داخل أمريكا، وهو ما يمكن أن يفضي لتفككها أو ضعفها على المدى البعيد، فضعف أمريكا وتراخي قبضة دولتها وشراستها وسطوتها على العالم هو ما يمكن أن يخدم قضايانا، وليس أن يحكمها رئيس أهوج متطرف في عدائه ومواقفه الحاسمة من مجمل قضايانا، ومنحاز بكليته لدولة الاحتلال، وحامٍ لرؤوس الاستبداد والفساد في العالم العربي.

فلسطينيًا نتمنى ألا تعود السلطة الفلسطينية للمراهنة على السراب معتقدة أن الإدارة الجديدة ستحدث تغيرات جوهرية على السياسة الأمريكية الخارجية، ونتمنى ألا يتم التراجع عما تم إنجازه حتى الآن في ملف المصالحة بمجرد الاستماع إلى تصريح مغرٍ من جو بايدن حول القضية الفلسطينية، وخصوصًا ذلك النمط الفضفاض من التصريحات الذي يداعب عادة خيال قادة السلطة، فيبنون عليه آمالًا وهمية سرعان ما تبددها المواقف العملية.

إن كانت سياسات ترامب الفاصلة قد أحدثت تقاربًا فلسطينيًا وأزالت قناعات فاسدة لدى فريق من الفلسطينيين حين وضعتهم أمام حقيقة وهم حلّ الدولتين وانهيار كل مشروع التسوية، فلا ينبغي السماح بأن يكون عهد خلفه بايدن سببًا في إعادة التباين والاختلاف، خصوصًا حول المسلّمات والحقائق الجديدة التي اكتشفها بعض الساسة متأخرين.