العدوان على غزة وكلفة القرار

الأحد 15 نوفمبر 2020 01:14 م بتوقيت القدس المحتلة

كثرت القراءات أخيرا حول إمكانية قيام جيش الاحتلال الاسرائيلي بعدوان جديد على قطاع غزة، وكانت هذه القراءات ناتجة عن متابعة المناورات الجارية، وكثافة ظهور الطائرات الاستخبارية في سماء القطاع، واستمرار التهديدات التي تنقلها وسائل اعلام العدو، لذلك يجب علينا قراءة سلوك العدو جيدا، وفهم طريقة تفكيره، وقياس مدى امكانية تحقق هذا السيناريو، وظروف اتخاذ القرار وكلفة ذلك على المستوى السياسي والأمني الإسرائيلي.

مما لا شك فيه أن العدو الاسرائيلي دفع أثمانا باهظة من جراء فشله في إعادة تغيير الواقع الامني في قطاع غزة، ومني بهزائم متكررة في مواجهة المقاومة الفلسطينية، وفشل في تحقيق أي من أهدافه المعلنة، نظرا للصمود الأسطوري الذي أبداه شعبنا، والدور البطولي التي أظهرته المقاومة.

وهذا يدفعنا لاستعراض بعض المواقف والتصريحات للقادة والجنرالات السابقين، الذين ساهموا بمستويات مختلفة في صنع قرار الحرب على غزة، فقد حذر الجنرال شلومو ترجمان من الانجرار لشن حرب جديدة على غزة معتبرا أن ذلك سيكون (عملا عقيما) ومبالغا فيه، ترجمان هو قائد العدوان الذي شنته "اسرائيل" على قطاع غزة في صيف 2014، موضحا أن أي عملية عسكرية في غزة قد تشعل المنطقة خاصة في الجبهتين السورية واللبنانية.

وقد نصح بالعمل على تحسين الوضع الاقتصادي في غزة بهدف تقليل مستوى المخاطر الأمنية على" إسرائيل"، داعيا من وصفها بالدول المعتدلة والأطراف الأخرى ذات المسؤولية الدولية بالعمل على ذلك لضمان وقف تعزيز حركة حماس لقوتها العسكرية، بدلا من الحديث عن مطالبات بنزع السلاح، وقد ورد ذلك في بحث أعده ترجمان لصالح معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى.

كما أوضح وزير المالية الاسرائيلي موشيه كحلون أن الحرب على غزة تعني مقتل مزيدا من الجنود، وأن الحرب تشن عندما لا تكون هناك خيارات أخرى، كحلون تحدث حينها بصفته أيضا عضوا في المجلس الوزاري الاسرائيلي المصغر للشؤون الأمنية والسياسية.

هذه صورة عن حالة الخوف والارباك التي رسمتها الحرب في أذهان القادة الصهاينة بعد صمود المقاومة، وتماسك وثبات شعبنا، واستعداده لتقديم التضحيات، وقد دفع رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو ثمنا مؤلما جراء فشله في عدوان 2012 بعد اغتياله للقائد أحمد الجعبري، إلى جانب ايهود براك وزير الحرب الذي لا يزال مغمورا ومنبوذا، وهذا ما يفسر تعطيل نتنياهو لخطة ليبرمان السابقة والقاضية بتصفية قيادات بارزة من المقاومة وعلى رأسهم القائد/ اسماعيل هنية.

 باراك ذاته الذي توعد حماس بدفع الثمن وأشرف أيضا على عدوان 2008   وقد خرج بخفي حنين، إلى جانب وزيرة الخارجية السابقة تسيبي ليفني والتي حرقت رصيدها السياسي بهذه الحرب وأثبتت فشلها الذريع، فيما انتهى دور رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود أولمرت تماما من المشهد بعد هذه الانتكاسة التي مني بها، والأمر امتد أيضا لليبرمان ونفتالي بينت الذين فشلا عن ردع غزة بأي صورة على الرغم من تقلدهما وزارة الحرب.

ومن هنا يمكن فهم دوافع حالة التداخل بين رغبة القيادة الاسرائيلية في شن حروب، وطريقة استغلالها لهذه القرارات من النواحي السياسية في التأثير على مجريات الانتخابات الداخلية لرفع حظوظها وتعزيز مكانتها، وأذكر هنا حديث رئيس تحرير صحيفة هآرتس وعدد من المحلّلين الإسرائيليّين أن اغتيال الجعبري كمثال: كان مرتبطا ارتباطا وثيقا بانتخابات الكنيست لرغبة القيادات في زيادة رصيدهم السياسي.

ويمكن الوقوف عند ما كتبه رئيس تحرير صحيفة هآرتس أيضا بأنّ القيادة الإسرائيليّة درجت على المبادرة لفرض أجندة أمنيّة عسكرية ضد عدو خارجي على الانتخابات، وقد ظهر ذلك جليا حين بادر بن غوريون عشية انتخابات الكنيست في عام 1955 بتنفيذ عمليات عسكرية ضد قطاع غزة، وعشيّة انتخابات سنة 1981 قصف بيغن المفاعل النووي العراقي، وفي انتخابات سنة 1996 قام شمعون بيرس بعمليّة "عناقيد الغضب" ضد لبنان والشواهد كثيرة حتى يومنا هذا.

وفي السياق فإن هناك دوافع أمنية وسياسية كبيرة أمام القيادة الإسرائيلية لشن عدوان جديد، لكن الكوابح والتهديدات أكبر، والخشية من الفشل لا تزال حاضرة وتعطل القرارات في هذا الشأن، فـ"إسرائيل" تدرك أن الظروف قد تغيرت، وأنها عمليا لن تتمكن من حسم أي معركة مع غزة بالقصف الجوي.

كما أن قوات البر لا يمكنها المخاطرة في وحل غزة الموحش، وعلمها الاستخباري يشير إلا أن المقاومة في غزة تغيرت وتطورت بشكل ملحوظ، فجولات التصعيد الأخيرة أعطت صورة مصغرة لما يمكن أن تذهب إليه الأمور، بعد أن غمرت المقاومة المستوطنات والبلدات بعشرات بل مئات الصواريخ خلال ساعات هذا من جانب.

ومن جانب آخر فإن النجاحات المتكررة في مجال التطبيع مع الدول العربية، والانشغال في اختراق هذه الساحات يجعل ذلك أولوية، بل يجعل لذلك أفضلية بدلا من شن حروب جديدة، والتي يمكن أن توقف مسار التطبيع وتعيد احياء ذاكرة الشعوب نحو العداء مع "اسرائيل"، وتقلل نافذة الفرص أمام الانظمة وتضعهم في موقف حرج.

وفي ذات الوقت ستبقى غزة متأهبة للإطاحة بطموحات كل الجنرالات والقادة الصهاينة، إذا ما فكروا بتمرير دعاية أحزابهم، أو تسويق برامجهم من خلال العدوان، لتكتب لهم النهايات الحتمية لمصير جنودهم ولمستقبلهم السياسي، فمن يقرر الحرب عليه التجهز لدفع الثمن.