الحوار الوطني وتبدل الأولويات

الثلاثاء 17 نوفمبر 2020 11:57 م بتوقيت القدس المحتلة

بدأت الدوائر الرسمية في الرئاسة الاستعداد للتغييرات التي ربما تفرزها الانتخابات الامريكية والتي ربما تنعكس على الأوضاع السياسية في الأراضي الفلسطينية، كإحدى الساحات التي يمكن أن تتأثر من تبدل السياسات نتيجة لما يمكن أن تفرزه هذه الانتخابات، وقد بدا واضحا أن السلطة ليست وحدها من تتابع فالنظام العربي برمته يرتجف خشية تبدل الأولويات لدى الإدارة الجديدة.

 فالرئيس الفلسطيني محمود عباس يتابع عن كثب ويبدي ارتياحا للنتائج حتى الآن، ويعبر لمقربيه بأنه يشعر بنشوة مختلفة هذه المرة بعد تقدم المرشح الديمقراطي (جو بايدن) أمام الثور الهائج المرشح الجمهوري (دونالد ترامب)، انتخابات قد توصل حبل الود المنقطع خلال فترة قريبة بعد أن أدار ترامب ظهره للسلطة وسخر منها ومن كل النظام العربي وابتزها سياسيا وداسها بعربة التطبيع.

ومع ورود هذه الأخبار السارة على قلب مريديها فإن برقية التهنئة أصبحت جاهزة، والخطاب المرتقب للرئاسة الفلسطينية لن يكون بعيدا، والوفد المفاوض يتجهز من جديد للعودة الى غزواته الميمونة بعد أن أضيء الطريق واتيحت الفرصة، وقد بدت التسريبات تظهر في الفضاء بشكل متسارع، والتي تشير لإمكانية عودة المفاوضات واستئناف التنسيق الأمني الذي لم يتوقف إلا صوريا.

فالسلطة تؤمن تماما أنها تعيش الآن عزلة وقطيعة سياسية، وتعاني بشكل لافت من أزمات مالية خانقة، ما جعلها تسلب جيوب المواطنين في الضفة وتسطو على حقوق موظفي غزة، وتستولي على أموال المنح والمشاريع، وتقلص الخدمات، وتخفض المساعدات للقطاع، وتلوح بحملات من التقشف وخفض الانفاق بعيدا عن سياسة الترشيد في إدارة الملف، فما توفره من جيب يصرفه جيب آخر من مترفي السلطة تحت ذرائع مختلفة، ما جعلها تائهة ومتخبطة، تحمل الجرة بينما تندفع المياه من ثقوبها فلا هي قادرة على نقل الماء ولا هي فالحة في وقف النزيف.

لذلك فإنها تبحث عن أنبوب الاكسجين الأمريكي الذي يمكن أن ينعشها بعد الدخول في موت سريري، فدوما أزمات السلطة أزمات متعلقة بالدعم المالي، فالحسابات المالية للسلطة تحتاج لتغذية من جديد كي يشعر صانع القرار في رام الله بأنه قادر على صناعة السلام وكبح جماح التطرف والإرهاب الفلسطيني حسب الوصف الإسرائيلي.

وما يثير القلق أن عودة السلطة للتمترس خلف الوهم الأمريكي، ورغبتها في التعامل مع الإدارة الجديدة سيفرض عليها استحقاقات مختلفة، أهمها عدم التقارب مع حركة حماس، ونبذ العنف، ووقف الحوار معها، ومحاولة إقصائها بوسائل مختلفة لتسويق هذه المواقف للرئيس المرتقب وإدارته، ونيل الرضا الإسرائيلي ليكون ممتنا لها على هذا الموقف، ويفتح ذراعيه مرحبا بوفد المفاوضات الفلسطيني لمواصلة جولاته الخائبة.

لكن السلطة تعودت أن تلقي باللائمة على الاخرين في الساحة الفلسطينية وأن تتقدم خطوة للأمام لتوزيع الاتهامات، وشن الهجوم الاعلامي لتبرير هروبها من مسار الحوار الوطني، لأنها لا تجد أي مصلحة في إتمام مصالحة مع حركة حماس في مثل تلك الظروف، التي تعتقد فيها بأن السماء تمدها بسلم الإنقاذ المتمثل في إعادة ترميم العلاقة مع الإدارة الامريكية الجديدة.

ويكفي أن تكلف ناطقيها وبعض قياداتها المركزية بإشباع الفضاء الإعلامي بجملة من التصريحات والاكاذيب الملفقة، والاشتراطات التي يمكن أن تفجر المسار الحالي، بل ربما تكون أكثر جنونا وتعبث بأمن القطاع، وتعرض سلامة بعض مقراتها أو كوادرها للخطر عبر خلاياها التي يمكن تجنيدها تحت ضغط الابتزاز المالي لبعض الموظفين، أو تحفيز بعض المتشددين، ومن ثم اتهام حركة حماس بشكل سافر في مسلسل سخيف ومفضوح لأن أساليبها باتت مكشوفة، كما أن ساحة الضفة لن تكون بعيدة عن الاستهداف الممنهج لإفشال الحوارات الجارية.