بماذا التزمت (إسرائيل) يا حسين الشيخ؟

الأربعاء 18 نوفمبر 2020 03:23 م بتوقيت القدس المحتلة

بماذا التزمت من جديد يطل علينا طبال السلطة في الضفة الغربية المدعو حسين الشيخ ليزف لنا خبر عودة العلاقات بين سلطته والاحتلال، ويؤكد التزامه وقيادته بالتنسيق الأمني الذي وصفه سابقا رئيس السلطة وحركة فتح محمود عباس بالمقدس، ولكن لم يخبرنا الشيخ بماذا التزم الاحتلال.

لا غرابة فيما صرح به حسين الشيخ، وبصراحة أكثر لم أكن أتوقع من سلطة محمود عباس غير الخذلان وتحطيم آمال شعبنا في مصالحة وطنية قد تعيد للقضية الفلسطينية بريقها وتضفي عليها بعض الاهتمام العربي والدولي الذي افتقدته في عهده بسبب سياسته الإقصائية الفاشلة التي اعتمد في ركيزتها الأساسية على منهج الانقسام والاستفراد بالقرار السياسي على حساب الالتزام بالثوابت. 

ففي الوقت الذي تسابق فيه (إسرائيل) الزمن و تكثف نشاطها الاستيطاني في الضفة الغربية المحتلة، وتمعن في تهويد القدس، وبعد يومين من إعلانها عن خطوات استيطانية في شعفاط وبيت صفافا و قلنسوة والطيبة ومناطق فلسطينية عديدة؛ لتعصف كلياً بالقضية الفلسطينية وتهدد وجود الفلسطينيين في أراضيهم، تستأنف السلطة وقيادة حركة فتح علاقتها مع  (إسرائيل) وتعلن أن التعاون والعلاقات مع الاحتلال عادت لسابق عهدها بدءا من استلام أموال المقاصة، ومروراً باستئناف التنسيق الأمني، وليس انتهاءً بإعدام كل مسارات استعادة الوحدة الوطنية وإتمام المصالحة الفلسطينية.

وهنا يؤكد السيد محمود عباس لنا انقلابه على قرارات المجلسين الوطني والمركزي التي حددت بوضوح ضرورة قطع العلاقات والتحلل من كافة الاتفاقيات الموقعة مع (إسرائيل)، ووقف التنسيق الأمني معها وسحب الاعتراف بها، في سبيل تحقيق آمال وطموحات من حوله من المصفقين والمطبلين أمثال حسين الشيخ وعزام الأحمد وماجد فرج ومن على شاكلتهم من الضباط (البنشرجية)، لترتسم ابتسامات عريضة على وجوههم الكالحة التي تعودت على الخيانة والارتماء في أحضان (إسرائيل) الدافئة.

 كما ويمثل موقف السلطة هذا ارتداداً على مخرجات اجتماع (الأمناء العامّون) للفصائل الفلسطينية الذي انعقد في سبتمبر الماضي، ويُجهِز على أي فرصة لإنجاح الحوار الوطني بين الفصائل الفلسطينية في القاهرة، وهو ما يعني بقاء حالة الانقسام الفلسطيني، ويعكس التمادي المحموم لدى سلطة عباس في الاستفراد بالقرار الوطني، في مقابل تحقيق مصالح لبعض متنفذي السلطة من خلال علاقات متينة مع الاحتلال.

وتستمر سلطة فتح في المقاطعة في ممارسة خداعها للفصائل الفلسطينية، مع الاستعداد الدائم  لاقتناص أي فرصه للعودة إلى حظيرة الاحتلال، رغم أن الأسباب التي بموجبها تم التحلل من جميع الاتفاقات الموقعة مع (إسرائيل)  ما تزال قائمة، فهي لم تتراجع عن اعتبار القدس بشقيها عاصمة أبدية لها، ولم تُجمّد أنشطتها الاستيطانية، ولم تتوقف عن محاصرة قطاع غزة، ولم تعترف بحق شعبنا في إقامة دولته المستقلة، إذن بماذا التزمت (إسرائيل) يا حسين الشيخ؟

لقد اعتادت قيادات السلطة التدليس والكذب الذي يصب في مصلحة الاحتلال، من خلال تقديم الهدايا والمواقف السياسية المجانية مقابل استعادة  بعض الامتيازات والمصالح الخاصة ببعض المتنفذين من قياداتها، بحجة استعادة أموال المقاصة التي هي بالأساس أموال الشعب الفلسطيني، وتسوقها على أنها سبب في الكساد الاقتصادي في غزة والضفة ويترتب عليها عجز في ميزانية رواتب الموظفين العموميين، كما زعم السيد محمد شتية رئيس حكومة فتح في الضفة حيث قال: "بدكم مصاري واللا وطن"، في تبرير واضح لأي علاقات مع (إسرائيل)، ليؤكد بعدها قائلا: "إذا أردتم المال فهو لدى إسرائيل"، وهو بذلك يريد من الفلسطينين أن يدعموا منهجه المرتكز على الهرولة لعلاقات مشبوهة مع الاحتلال مقابل الرواتب التي قطعها عباس عن موظفي السلطة في غزة.

ولا أفهم أصلاً لماذا توقفت السلطة عن استلام أموال شعبنا طيلة الفترة السابقة، غير أنه من  المؤكد أن هناك أطرافاً في مقاطعة رام الله تسعى بكل جهدها لاستئناف العلاقة مع الاحتلال حتى لو كانت النتيجة انهيار فرص تحقيق الشراكة الوطنية.

لذا فإن المطلوب من الفصائل الفلسطينية التي شهدت على جولات المصالحة وشاركت جلسات الأمناء العامون، وشهدت على ما قدمته حركة حماس من إيجابية كبيرة لإتمام المصالحة، استعادة زمام المبادرة الوطنية وعدم ترك الساحة لمثل هذه الشرذمة الفاسدة من قيادات السلطة، والسعي لتشكيل جبهة وطنية قادرة على حماية قرارات الفصائل والمؤسسات الفلسطينية، وحشد الجماهير في مواجهة مخططات عباس وحاشيته ومحاولتهم القضاء على المقاومة وإنهاء الصراع،  والوقوف معا في وجه مخطط الضم والتهويد وتصفية القضية الفلسطينية، لأن ترك الأمور لهؤلاء المنتفعين الذين قايضوا الوطن وهمومه بمصالحهم الفارغة ومكاسبهم التي تضررت بسبب القطيعة، يزيد من الكوارث ويفاقم هموم شعبنا ويقضي على تطلعاته بالتحرير.

أنا أرى أن محمود عباس لم ينجح في خداع الكل الفلسطيني وقد خسر جولة كانت حماس فيها متفاعلة وإيجابية وصادقة في التوجهات والتطلعات نحو المصالحة والشراكة، وهو الدور الذي أشادت به الفصائل الفلسطينية وشهدت بصدق حماس ونظرتها الشمولية للقضية بعيدا عن لغة المصالح، رغم علم حماس المسبق بأن خطوات (ترامب) التي اتخذها وأوغل من خلالها بتهميش السلطة وإحراجها دفع السلطة لتأتي للمصالحة لحرق الوقت إلى أن عادت الفرصة من جديد بحلول (جو بايدن) رئيسا لأمريكا، لتعود سلطة فتح وتهرول نحو الاحتلال من جديد وكأن هناك وعودا من البيت البيض دفعتها للتخلي عن المصالحة.

وأعتقد جازما أن شعبنا وقياداته يدركون خطورة المناورة التي سعى لها محمود عباس كسبا للوقت حينما كان مأزوماً، ولكنها لم تسع لإفشال هذه الخطوة وتعاملت حماس معها بإيجابية كبيرة واعتبرتها خطوة مهمة في سبيل الشراكة الوطنية وطي صفحة الانقسام، والتفرغ لمواجهة الاحتلال، ولكن قيادة السلطة أثبتت من جديد أنها غير جديرة بقيادة المشروع الوطني وأنها غير جاهزة للشراكة الحقيقية ولن تخسر من أجلها التعاون مع (إسرائيل).

إذن خسرت سلطة محمود عباس الجولة، فلم تستطيع  هذه السلطة تقويض إجراءات الاحتلال الاستيطانية ولم تستعيد القدس عاصمة لفلسطين، ولن تستطيع أن توقف جرائم الاحتلال بحق شعبنا، ولم تنه الحصار عن قطاع غزة، ولم تنجح قيادة فتح في تحقيق المصالحة الفلسطينية وطي صفحة الانقسام السوداء. (إسرائيل) يا حسين الشيخ؟