هل عودة السلطة للتنسيق الأمني مع الاحتلال تتعارض مع خيارات الإجماع الوطني؟

الخميس 19 نوفمبر 2020 10:56 ص بتوقيت القدس المحتلة

الرسالة التي تحدثت عنها السلطة تحتوي على أقل من 100 كلمة، أرسلها منسق الشؤون المدنية في الجيش الإسرائيلي “كميل أو ركن” وهو في مستوى أقل من وزير ولا يمثل أي مستوى سياسي، فلا يزال الاحتلال يرى السلطة تحت مستوى العلاقات السياسية، وأن العلاقة التي يجب أن تكون -كما كانت دائماً- هي ضمن التزامات السلطة أمنية والآن بأقل ما كانت عليه في اتفاقيات أوسلو. ومن الجدير بالتذكير أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يمنع أي اتصال سياسي مع السلطة منذ 2009، ويحظر على أي وزير في حكوماته المتعاقبة أن يتصل مع السلطة، فيما تقتصر اللقاءات على وزير الشؤون المدنية في السلطة حسين الشيخ مع منسق الشؤون المدنية في الجيش الإسرائيلي “كميل أو ركن” ولقاءات اللواء ماجد فرج مدير المخابرات الفلسطينية مع مسؤول جهاز الشاباك الإسرائيلي “نداف أرغمان” وكلاهما في مستويات أمنية ولا تحمل أي دلالة سياسية. ولذا من الطبيعي أن يحتفل حسين الشيخ وأبطال التنسيق الأمني بعودة العلاقات مع الاحتلال إلى العلن، فهؤلاء تتضرر مصالحهم وتتناقض مع أي مسار لاستعادة الوحدة على أساس المقاومة مهما كان شكلها أو اسمها.

العدو الإسرائيلي ليس لديه دافع للمضي قدماً بأي مسار سياسي مع السلطة، فنتنياهو منذ 2009 يرفض أي تعاون سياسي مع السلطة وقد كانت الظروف أفضل من الآن بالنسبة للسلطة. والشئ الوحيد الممكن هو التنسيق الأمني. ومهما حاول فريق التسوية أن ينفخ في أوسلو الميتة فلن يحصلوا سوى على مزيد من التغول الإسرائيلي، وهذا ما كان في زمن إدارة أوباما الديمقراطية وكذا ترامب الجمهوري وبالتأكيد لن تتغير مع إدارة بايدن، فجميعهم أعلنوا أنهم ملتزمون بالتفوق الأمني والنوعي لإسرائيل، مع استمرار التجاهل الواضح للحقوق الوطنية الفلسطينية.

ولا شك بأن السلطة تشعر بانسداد أفقها السياسي منذ توقف اللقاءات السياسية مع الحكومات الإسرائيلية، ومع تعميق خيبة أملها من صفقة القرن التي لم تجعل الإدارة الأمريكية لها دور فيها، وكذا الحال فيما يتعلق بالتطبيع العربي مع الاحتلال الإسرائيلي الذي ذهب بعيداً عن جسر السلطة. كما أنها تشعر أن رفضها لاستلام المقاصة منذ ذلك الحين قد وضعها في أوضاع اقتصادية صعبة تهدد استقرارها في الضفة، بالذات مع تخلي العرب عن دعمها وعدم وفائهم بشبكة الأمان الشهرية البالغة 100 مليون دولار، وكل ذلك لا يبرر سلوكها المشين بالتنسيق الأمني.

مواقف الفصائل الفلسطينية جميعاً التي رفضت عودة السلطة إلى التنسيق الأمني واعتبرتها خيانة لجهود المصالحة وطعنة في ظهر الشراكة الوطنية؛ هي مواقف متناسبة مع طبيعتها، فمن يقف مع مشروع المقاومة بالتأكيد يرى أن عودة العلاقة العلنية مع العدو هو قتل للروح الوطنية التي نتجت عن لقاء الأمناء العامين في بيروت ورام الله في مطلع سبتمبر 2020، والذي أقر تفعيل المقاومة وأكد على وقف التنسيق الأمني مع الاحتلال مع الذهاب إلى توافق وطني على استراتيجية مواجهة شاملة للاحتلال وتحديات التطبيع معه. ورغم كل ذلك إلاّ أن المصالحة الوطنية بمعنى الوحدة على أساس إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس؛ ستبقى محطة استراتيجية ومسار لا يمكن التراجع عنه لاستعادة الوحدة الوطنية وجمع الكل الفلسطيني على مشروع المقاومة.

ربما تماطل السلطة في عقد اجتماع قادم للأمناء العامين كما تفعل منذ أكثر من شهر ولكن في النهاية شعبنا الفلسطيني شاهد وقرأ جيداً الحالة الوطنية التي تدفع باتجاه مواجهة إجراءات الاحتلال في ظل نكوص العرب عن وعودهم وتنصلهم حتى عن مسار دعم السلطة، وذهابهم منفردين إلى التطبيع. ويجب على فصائل العمل الوطني أن تمارس ضغوطها على ما يحاول تعطيل مسار المصالحة لصالح الاحتلال، وإذا كانت السلطة وفريق من حركة فتح يقبل بالعودة إلى التنسيق الأمني مع العدو فإن فصائل المقاومة لا تقبل بالعودة عن الوحدة الوطنية. ومن يعطل المشروع الوطني يجب أن يتم فضحه أمام الرأي العام الوطني.

نحن كفلسطينيين لا يجب أن نستسلم للعودة إلى متاهات المفاوضات ومسار أوسلو، وعلينا أن نحافظ على خطوط الوحدة، كما أن مسار الحوار بين حركة حماس وما يرغب في العمل الوطني المشترك في حركة فتح يجب أن يستمر من أجل تشكيل ضغط حقيقي على فريق التنسيق الأمني الذي يمارس أدواراً أقل ما توصف به أنها تتعارض مع خيارات الإجماع الوطني وحتى قرارات منظمة التحرير بوقف التنسيق الأمني في ظل العدوان الإسرائيلي المتواصل على الأرض والإنسان.