لماذا يكرهون الوحدة الوطنية

الخميس 19 نوفمبر 2020 12:46 م بتوقيت القدس المحتلة

في قصيدته ثورة الشك التي غنتها أم كلثوم يقول الشاعر الأمير عبد الله الفيصل

وكم طافت على ظلال شك   أقضت مضجعي واستعبدتني

وما أنا بالمصدق فيك قولاً     ولكني شقيت بحسن ظني

ربما تصدق هذه الكلمات في واقع السلطة الفلسطينية التي أصبحت مرتهنة بيد حفنة من دهاقنة العلاقات السرية مع الاحتلال، ففي الوقت الذي تنادت فيه كافة فصائل العمل الوطني للعمل المشترك على قاعدة قطع العلاقة مع الاحتلال، وبرنامج كفاحي موحد يقوم على المقاومة الشعبية، كان هناك من تسلل لواذاً مبتعداً بخفة الثعلب في الظلام البهيم، وكأنه روح يهوذا الذي ترك جبل الزيتون ذات ليلة ليرتكب أعظم خيانات التاريخ، فيشي بالمسيح وحواريه، وهذا ما فعله ذلك الذي انسل بخفة ليتواصل مع الاحتلال، ليستحثه على قطع حبل الوصال الوطني، الذي تعلق به الشعب الفلسطيني ومن قبله القوى والفصائل الفلسطينية، وصدقت ثورة الشك التي كانت تعتمل في نفوس كثير من أبناء الوطن الذين كذبوا في قيادة السلطة سوء الظن، وعضوا على الجراح، وتناسوا الماضي بكل ما فيه من ألم، وأغمضوا أعينهم عن صور المآسي التي طبعت في ذاكرة الوطن، ليفتحوا صفة جديدة بيضاء ناصعة، ولكنهم جميعا شقوا بحسن ظنهم ، وقد نجحت مساعي ذاك الذي تسلل خلسة، ليعود حاملا بين يديه وعد الشيطان الغرور، ولسان حاله يقول قد افلح اليوم من استعلى، أجل لقد جاء بالسحر الذي يبطل العروة الوثقى التي خطها مزيج من دم الشهداء وزيت شجر الزيتون المحترق ودموع الفلسطينيين وعرقهم، لقد شقي الوطن بوعد الشيطان هذا، وسعد به أيما سعادة من راقت له ليالي الوصل الصهيونية، وهو ما فتأ يغني على نغماته

إن شئت تقتلني فانت محكمٌ    من ذا يعارض سيداً في عبده.

هذا هو حال الذين يقتاتون على الانقسام، وليس في ذلك غرابة، فأي كارثة لها رجالها الذين يبرعون في استغلالها للإقتيات عليها، وبمرور الوقت تصبح حالة الفوضى أو الانقسام مصدراً للرزق أو مصدراً للزعامة وفرض الرأي، وكل ذلك يلبي رغبة مادية ومعنوية يصعب عليهم تركتها بعد مضى سنوات من الاعتياد عليها.

ولذلك يكرهون لم الشمل الفلسطيني، لأنه يعنى أن يعود لفلسطين هويتها، وللقضية مركزيتها، وللشعب كلمته، وهؤلاء يدركون تماماً أن الوحدة الوطنية تعنى عودتهم إلى غياهب النسيان مرة أخرى، وتعنى كذلك تجديد ثقة الشعب بمقاومته، بما يفرضه ذلك من تجديد ألق المقاومة شرعياً وميدانياً، لذلك هم يكرهون الوحدة كما يكرهها الاحتلال، أعداء مسار المقاومة راق لهم طوال الفترة السابقة حالة العزلة التي مورست ضدها، والحصار الذي أطبق عليها، ورقصوا فرحاً مع كل حرب شنت عليها. أملاً في القضاء على مشروعها الذي جاء على نقيض مشروعهم، وكانت فرصتهم في الانقسام ليعودوا ليتصدروا المشهد مرة أخرى، فصبوا جام حقدهم ومكرهم على مشروع المقاومة. ولذلك لابد من عزل كل هذه العوالق التي تعمل بنسق عالي الوتيرة مع قبائل التطبيع العربية وبتمويل سخي منها لإفشال مشروع الوحدة، وحينها ستنحسر وتختفي تلك الوجوه التي بكل تأكيد لا تريد للشعب الفلسطيني خيرا حتى لو زعمت غير ذلك،

ولذلك أدعو أبناء فلسطين ليكونوا سياجاً حامياً وواقياً للوحدة الفلسطينية يحول دون وصول المفسدين إلى مبتغاهم. فهم وان استكثروا بالاحتلال سيبقون قلة، وكلمة الحق تعلو على كل ضجيج الباطل الذي يصور هذه الانتكاسة (انتصاراً) استخفافاً او استهتاراً أو جهلاً بقدرة شعبنا على تميز الغث من السمين، فشعبنا يعرف جيداً أن من فضل الاصطفاف بجانب الاحتلال على الوحدة الوطنية لن يكون أبداً هو الساعي بالخير لشعبنا وقضيتنا، وتبقى الكلمة الأخيرة للشعب.