زيارة نتنياهو للسعودية تحسم شكل التطبيع وخيارات مواجهة إيران

الثلاثاء 24 نوفمبر 2020 07:21 م بتوقيت القدس المحتلة

تسريب خبر اللقاء الثلاثي الذي جمع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مع وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو في مدينة نيوم السعودية يمثل تتويجاً للزيارات المتعددة التي قام بها الجنرال السعودي أنور عشقي لإسرائيل. وبغض النظر عن السلوك التقليدي في النفي الشكلي الذي قدمه وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان آل سعود؛ فإن تأكيد الإذاعة الإسرائيلية الرسمية للخبر وتواتره إعلامياً وردود الفعل السياسية عن حالة التطبيع السعودي مع إسرائيل، كلها تخلق رأياً عاماً -مطلوباً إسرائيلياً- للبناء عليه. تلك الحالة الإعلامية تكررت في كل اللقاءات الإسرائيلية العربية، سواء مع الإمارات أو البحرين أو عمان وحتى السودان.

ومن الواضح أن تصريحات الأمير فيصل -قبل يوم من لقاء نيوم- بأن السعودية تؤيد "التطبيع الكامل" مع إسرائيل، تأتي في سياق التمهيد للقاء الذي ضم رئيس الموساد الإسرائيلي يوسي كوهين، وهو مسؤول ملف التطبيع مع الدول العربية. ولعل تأكيد الخارجية الأمريكية للقاء بومبيو بولي العهد السعودي في نيوم تحديداً يدعم الرواية الإسرائيلية، بالإضافة إلى ما ذكرته وول ستريت جورنال الأمريكية عن مستشار سعودي وصفته بالبارز رفض ذكر اسمه، بأن اللقاء تناول موضوع التطبيع وإيران، مع نفيه للتوصل لاتفاقيات معينة.

 

من المهم أن ندرك أن التطبيع مع العدو الإسرائيلي ليس خطراً على القضية الفلسطينية فحسب، ولكنه يمثل تهديداً لاستقرار دول المنطقة

 

لا شك أن السعودية كانت هدف نتنياهو الكبير من تطبيع العلاقات الخليجية مع إسرائيل، لما تمثله المملكة من مكانة دينية واستراتيجية في المنطقة. فهي الدولة العربية التي تحتوي رمزية الإسلام الذي يمثل حائط صد قوي في وجه التشويه الفكري الذي يمارس على عقول العرب والمسلمين تجاه الصراع مع عدوهم الإسرائيلي الذي يحتل ثالث الحرمين بعد حرمي مكة والمدينة. وهي إحدى مجموعة العشرين التي تمثل دول أقوى اقتصادات العالم (ثلثي التجارة وعدد السكان و90% من المواد الخام). فإسرائيل تريد السعودية بقوة لمواجهة إيران التي تصنفها بأنها "تهديد استراتيجي”.

الاشتراط السعودي بإقرار "اتفاق سلام دائم وكامل يضمن للفلسطينيين دولتهم بكرامة" قبل التطبيع الكامل للعلاقات مع إسرائيل، لا ينفي وجود التطبيع جزئياً، وهو الحال مع كل الدول المطبعة، فحتى مصر التي وقعت اتفاق سلام مع إسرائيل منذ أكثر من أربعة عقود (كامب ديفيد 1978م) لا تزال قطاعاتها النخبوية والشعبية ترفض التطبيع، ولا ترى أن الاتفاق قد خدم الشعب المصري عوضاً عن أن يكون قد دعم القضية الفلسطينية.

من المهم أن ندرك أن التطبيع مع العدو الإسرائيلي ليس خطراً على القضية الفلسطينية فحسب، ولكنه يمثل تهديداً لاستقرار دول المنطقة وضد مصالح شعوبها. فإسرائيل لا يمكن أن تكون مصدراً للاستقرار في المنطقة فهي تعيش على الخلاف العربي الذي يهدر قوتهم ويبدد شملهم، وتقتات على الحروب المذهبية التي تبدد قوة أعدائها وخصومها في المنطقة. إن فكرة الصهيونية قائمة على سيادة اليهود على الاخرين، وإسرائيل -القائمة على الصهوينية- كيان عنصري لا يقبل التعايش مع أي وحدة عربية أو إسلامية، وبالتالي ستحرص باستمرار على التفريق بين دول وشعوب المنطقة لتبقى لها السيادة. ومن المؤسف أن هذه النزعة السادية موجودة لدى بعض أنظمة المنطقة، وبعضها يتشارك مع إسرائيل رغبتها الجامحة في السيطرة المباشرة على المراكز الجيواستراتيجية في المنطقة بدءً بالبحر المتوسط مروراً بالبحر الأحمر والخليج العربي وليس انتهاء بقناة السويس ومصادر نهر النيل.

إذا كانت إيران تمثل خصماً لبعض دول المنطقة إلاّ أن إسرائيل تمثل عدواً مشتركاً للجميع وتهديد للقيم القومية التي كانت وستبقى محل خلاف يمكن تجاوزه

لم تعد المبادرة العربية للسلام (بيروت 2002) قابلة للحياة أمام الواقع الذي سلب العرب قوتهم المشتركة وفضح وحدتهم الشكلية، فالخلاف العربي يحجب أن يتم تبني مواقف موحدة خلف تلك المبادرة، فهي ولدت سعودية وبقيت ذلك. فاشتراط المبادرة إقامة دولة في حدود 1967م لا يوجد من هو مستعد للقتال من أجله، فمن سيطبع مع إسرائيل لا يبالي بحدود الدولة أو شكلها بقدر ما يهمه هو تحلله من الالتزام بمواجهة إسرائيل، بحثاً عن استقرار حكمه واستمرار سيادته. وحتى مبدأ حل الدولتين الذي تستند إليه المبادرة قد بدده التطبيع -الجزئي أو الكامل- فإسرائيل لم تعد مضطرة لوقف مشاريع الاستيطان المستمرة والتي تمثل خطة ضم 30% من مساحة الضفة إليها، حيث لم يتبقى من حدود الدولة الموعودة على 22% وهي حدود 1967م ما يمكن أن يستوعب دولة حتى منزوعة السلاح كما يقبل بها رئيس السلطة محمود عباس! ناهيك أن لا تكون القدس عاصمة لها.

وحتى لو جاءت إدارة الرئيس الديمقراطي المنتخب جو بايدن بمبادرة لإعادة "عملية السلام” على أساس حل الدولتين فإنها ستبقى مجرد كلمات ونقاشات لن تستطيع تغيير واقع "يهودية الدولة" في ظل غياب موقف عربي موحد واستبعاد ضغط أمريكي حقيقي يوقف الاستيطان أو يعترف بالقدس عاصمة لفلسطين.

مهما كان شكل التطبيع كاملاً أو جزئياً، اقتصادياً أو سياسياً، سرياً أو علنياً، فإنه لن يوفر استقراراً سياسياً للمنطقة ولا تنمية اقتصادية للدول ولا رفاهية اجتماعية للشعوب. وإذا كانت إيران تمثل خصماً لبعض دول المنطقة إلاّ أن إسرائيل تمثل عدواً مشتركاً للجميع وتهديد للقيم القومية التي كانت وستبقى محل خلاف يمكن تجاوزه، أما الاحتلال فلا يمكن التعايش معه أو قبوله، طالما أن الشعب الفلسطيني لم يحصل على حقوقه بالحرية الاستقلال بدولة وعاصمتها القدس.

المصدر : شهاب