تعميم وزارة الاوقاف والمتصيدون في الماء العكر

الإثنين 21 ديسمبر 2020 05:31 م بتوقيت القدس المحتلة

قبل أيام انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي تعميم صادر عن دائرة الوعظ والإرشاد في وزارة الاوقاف والشؤون الدينية في قطاع غزة، يتحدث عن خطة الدائرة المقترحة  "للحد من التفاعل مع الكريسماس" حسب تعبيرهم، واضح اننا، وللاسف، أمام عنوان ملتبس وأدى إلى تعكير الماء الوطني "الصافي"، على الأقل في بعده الديني، وخاصة انني تلقيت اتصالات عديدة من داخل القطاع وخارجه، من مسيحيين وغيرهم، يعبرون عن انزعاجهم من التعميم، وأنه أثار لديهم القلق والعديد من الأسئلة، خاصة في ظل ما يعلمونه من مواقف الاعتدال والتوازن والحرص على اللحمة الوطنية من قبل قيادة حركة حماس، وما يلمسونه من حرص حكومي على التواصل والتفاعل الايجابي معهم كمواطنين اصلاء شركاء في هذا الوطن، آلامه وآماله، حقوقه وواجباته، إضافة الى خطوط الاتصال المفتوحة مع كل قيادات الصف الاول الحركي والحكومي على مدار الساعة وطوال أيام الاسبوع. 
الحقيقة كم تمنيت شخصياً أن يكون الاخوة الكرام في الوزارة أكثر حكمة وأحسن تقديراً في صياغة رسائلهم وكتابة تعميماتهم، ومراعاة الزمان والمكان والظرف الخاص. على الفور تم التواصل مع الوزارة لاستيضاح الموقف، والذي أكدوا فيه على متانة وعمق العلاقة مع أشقائنا المسيحيين، شركاؤنا في هذا الوطن الجريح، وأنهم كوزارة في تواصل دائم معهم ومع ممثليهم بحكم المسؤولية الادارية المباشرة للوزارة عن الشؤون الدينية للجميع، وأن هذا التعميم هو جزء من خطة الوزارة السنوية والتي تتفاعل فيها مع كل المناسبات والاعياد للمسلمين وغيرهم، في إطار نشاط الادارة لتعليم الناس أمور دينهم، الحلال والحرام، ما يجوز وما لايجوز، ومثل هذه الخطط تنفذ قبل بداية شهر رمضان الكريم او الاعياد كالاضحى والفطر وغيره وليس فقط بمناسبة اعياد الميلاد "الكريسماس". أعتقد أن مثل هذا النشاط التوعوي التثقيفي، هو حق مكفول لرجال الدين، ليس للمسلمين فقط ولكن حتى رجال الدين من المسيحيين وغيرهم، أن يعلموا ابناء دينهم قواعد الدين ومتطلباته، وهذا ما ينسجم تماماً مع القانون الاساسي والحرية المطلقة في الاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية، طالما أن هذا النشاط يتم في إطار الاحترام المتبادل ودون التجاوز على حقوق الاخرين وحرياتهم. ومع ذلك فإن الوزارة ورفعا للبس والتشويش قامت بنشر توضيح حول التعميم الصادر عن ادارة الوعظ والارشاد، تؤكد فيه على متانة العلاقة مع الاخوة المسيحيين، وأن التعميم لم يقصد به اطلاقا الإساءة لهم او التقييد عليهم في أي نشاط ديني او اجتماعي، وأن هذا النشاط ينفذ على قاعدة الامر بالمعروف والناهي عن المنكر بالحسنى والكلمة الطيبة. وقد تم التواصل مع قيادات دينية في الاسرة المسيحية، في قطاع غزة وخارجها، حيث أكدوا أنهم يقدروا هذا التوضيح من الوزارة، كما يقدروا للحركة اهتمامها وسرعة التواصل لتجلية الغبش، واغلاق هذا الباب أمام كل المتربصين وخاصة في هذه الايام، ايام الاحتفال بعيد الميلاد المجيد، والتي يجب ان تعكس اسمى صور الوحدة والتلاحم.
لكن الحقيقة ما كان غريبا ومفاجئاً أن البعض مصّر أن يكون ملكياً أكثر من الملك، ويحاول ان يلعب دور البوصلة الاخلاقية الوطنية، فخرجوا علينا بالعديد من البيانات والتصريحات والمقالات التي تندد وتستنكر وبشدة تعميم الوزارة وتعتبره "جريمة" و "خطيئة"، ليس هذا فقط، بل نصبوا انفسهم قضاة لتوزيع الاحكام العشوائية "بالاعتدال والتطرف" و"الوطنية" و "الخيانة". وهنا أود أن أوضح بعض النقاط:
أولاً: ان الموقف من العلاقة مع أشقائنا المسيحيين، ليست نتيجة موقف سياسي إو إجتهاد تكتيكي لظروف معينة، ولكنه دين وعقيدة نتعبد به لله عز وجل، تقوم على وصية القران الكريم بالبر والاحسان لهم "لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ." الممتحنة (8)، وعلى سنة المصطفى، صلى الله عليه وسلم، والتي قدمت نموذجا للتسامح لم تصل اليه كثير من اتفاقيات حقوق الانسان حتى فترات قريبة، الم يأذن المصطفى (ص) لنصارى نجران للصلاة في مسجده عندما جاء وقت صلاتهم وهم في زيارة له، ونستند على الوصية العمرية التي أسست لهذه العلاقة التاريخية الحافلة بالانجازات المشتركة، وإلى تجربة صلاح الدين الايوبي من العدل والاحسان عند تحرير القدس من الغزاة. فنحن نعتقد أن المسلمين والمسيحيين هم أبناء هذا الوطن السليب، يتمتعون فيه بمواطنة كاملة الحقوق والواجبات.
ثانياً: ان حركة حماس، وعلى مدار عمر الحركة، وكنت شاهدا على كثير من محطاتها، وحتى قبل تأسيسها بشكل رسمي، تمتعت بعلاقات وطيدة وعميقة مع الاسرة المسيحية، وبكل طوائفها وكنائسها، في الوطن والشتات، تقوم على مفهوم الشراكة في الوطن والجيرة في السكن، الألم الواحد والحلم الواحد، هذه العلاقة تجلت بشكل واضح في مناسبات كثيرة سياسية واجتماعية ودينية ونقابية، بل وحتى في حماية المقاومة ورجالها والتصدي للعدوان الصهيوني على شعبنا.
ثالثا: نحن نعيش تحت احتلال عنصري فاشي يستهدف كل الشعب الفلسطيني، ولا يميز فيه بين مسيحي ومسلم، بين الكنيسة والمسجد، بين الراهب والشيخ، هذا الواقع البغيض يستدعي، ولو على قاعدة المصلحة المشتركة، أن نوحد صفنا ونحمي بعضنا ومقدساتنا وتراثنا، في وجه هذا العدوان الغاشم.
رابعاً: ليس لدي مشكلة في تصويب أي خطأ أو تجاوز، ومن أيٍّ كان، ولكن المرفوض التضخيم والتهويل، وتلبس حالة السمو الاخلاقي والحرص الوطني. إذا كان في حالة خطأ في تعميم اداري داخلي صيغ بطريقة ملتبسة، سنصفه بالفاظ بالجريمة والخطيئة والتطرف والخروج عن الوطنية، فماذا أبقيتم للعملاء وتجار التنسيق الامني؟ ما الفرق بين هذه المنهجية أو هذا "التطرف." في رد الفعل، ومن يتطرف على الجانب الاخر فيصف الناس جميعا، ودون تمحيص، بالفسوق والكفر والزندقة؟

نحن نعيش ظروف استثنائية وخطيرة تعصف بشعبنا وقضيته، ومطلوب من الجميع أن يرفع منسوب الحساسية عند التعامل مع أي قضية عامة، وخاصة من هم في موقع المسؤولية العامة، وفي الجانب الآخر نحن بحاجة الى ان نتطلف جميعا في النصح والتوجيه لبعضنا البعض. شعبنا عموما، وفي غزة خصوصا، في غنى عن المزيد من الفرقة والانقسام.
ختاماً أود التاكيد على أن شعبنا من التماسك الديني والمجتمعي، ما لن يهزه حدثا عابرا مثل هذا الحدث، وكل المتربصين والمتحذلقين لن ينالهم من إثارة غبار الفتنة غير سواد الوجه ولن يعودوا من معاركهم الوهمية الا بخفي حنين.
كل عام وشعبنا، بمسلميه ومسيحييه، بالف خير، موحدا متمسكًا بحلمه بالحرية والاستقلال والعودة.