هل تشاهد أم تقرأ؟

الإثنين 28 ديسمبر 2020 12:45 م بتوقيت القدس المحتلة

سؤال قد يبدو غريبا بعض الشيء، لأن الإجابة الطبيعية هي أن كل الجميع يشاهدون ويقرؤون في الآن نفسه، ولا يكتفي أي شخص بأحد الخيارين، دون الآخر.

لكن السؤال لا يتعلق بإجابة حدية، بل بالتفضيل من جهة، وبطبيعة الاختيار في كلتا الحالتين من جهة أخرى.

من سيرة عقود مع عالم المقال المكتوب، وتاليا "التغريدة"، أو "البوست"؛ يمكنني القول إن انتشار الفيديو بات يتفوق كثيرا على النص المكتوب، فأي مخاطر تطرحها هذه القضية؟

في أشهر المواقع أو الصحف، ولأشهر الكتاب، لا يتعدى قراء أفضل مقال تحليلي في الفكر أو السياسة، بضعة آلاف من القراء، ونادرا ما يتجاوز ذلك.

وحتى التغريدات في "تويتر"، يتابع المغرّد رقم معين من الناس، لكن عدد من يطلعون على التغريدة هم نسبة محدودة منه، فضلا عن "فيسبوك" الذي له طرائقه في نشر "البوستات"، بما يجعل انتشارها أقل من ذلك بالطبع.

وحده "الواتس" هو الذي يحقق انتشارا كبيرا، رغم أن قيوده الجديدة في تحويل المادة لعدد محدود (5 أشخاص) قد حدّت من الانتشار أيضا، مع العلم أن أكثر ما يتم تداوله عبر "الواتس" هو الفيديوهات، وليس النصوص المكتوبة.

في عالم "يوتيوب" تجد العجب العجاب، إذ تعثر على أشخاص لم يكتبوا حفنة مقالات في حياتهم، وهم طارئون على عالم السياسة، لكنهم يحللون كل القضايا السياسية الدولية والإقليمية والعربية، وأحيانا الفكرية، ويحصد بعضهم متابعات بمئات الآلاف، أو بعشرات الآلاف، مع أن كثيرا منهم يبثون الكثير من الهراء وحكايات التآمر في تحليل السياسة، أو الضحالة في قضايا الفكر والعلم والطب.

وتُصاب بالقهر والحزن حين تعلم أن مقالا مهما لمفكر سياسي مرموق، أو عالم أو طبيب لم يحصد سوى عدد محدود من القراء، باستثناء بعض القضايا ذات الانتشار، وفي مقدمتها الجنس.

إنه زمن الصورة أو "الفيديو" بتعبير أدق، وحيث يذهب الناس نحو المشاهدة والاستماع أكثر من القراءة، لأن "الموبايل" هو الرفيق الدائم لهم في حلهم وترحالهم، وحتى في غرف نومهم، وساعة طعامهم.

هذه المعضلة تنشر الثقافة السطحية في أكثر الأحيان، وتحيل الناس إلى الأساطير في السياسة والفكر والعلم والطب، ولا تسأل بعد ذلك عن نشر التفاهة عبر ما يسمى الفن، وحيث يمكن أن تحصل أغنية تافهة لفنان سخيف لا يملك صوتا ولا حسّا فنيا؛ على ملايين المشاهدات في أيام، مع أن هذا قد يندرج في سياق التسلية، ولا يؤثر كثيرا على الفكر، وإن أصاب الذائقة الفنية بالكثير من العطب، لا سيما حين ترى محدودية المشاهدات لأعمال فنانين وفنانات من العيار الثقيل، من حيث الأداء واللحن والصوت والكلمة.

سيقول البعض: ولماذا لا يقتحم الطيبون والمفكرون وأهل العلم عالم "الفيديو" أيضا، كي تطرد البضاعة الجادة، نقيضتها "التافهة"؟

هنا تحضر مسألة الإمكانات من جهة، والحريات من جهة أخرى. فمن جهة الإمكانات تتولى أنظمة غنية بث الكثير من الهراء لاعتبارات سياسية.

أما من جهة الحريات، فإن تحليل الكثير من المواقف، فضلا عن نقدها، يتطلب مساحة من الحرية لا تبدو متوفرة في العالم العربي، ولا يمكن أن يُطالَب المثقف أو الكاتب بأن ينشر فيديو، ثم يأوي إلى السجن بعد ذلك، ولذلك تراه يسدّد ويقارب، ويجد ملاذا في النص المكتوب الأكثر ضبطا، والذي يمكن ممارسة التورية من خلاله، مع أننا في الزمن الحالي صرنا نرى أنظمة تحاسب حتى على الصمت، وليس على الكلام، لأنها تطلب من المثقفين والعلماء أن ينتصروا لباطلها، ولا يكتفوا بالصمت عليه!!

في عالم الفيديو، ستعثر على كل الكوارث التي يمكن أن تتخيلها، ولن نتوقف هنا عند كارثة "الإباحية" التي تنتشر كما النار في الهشيم، وتأكل من أوقات الناس الشيء الكثير، بجانب ما تنتجه من مشاكل اجتماعية.

نعم، ستعثر على كوارث بلا حصر تشكك في كل المقدسات الفكرية والعلمية والطبية والأخلاقية، وستجد العهر في الأرض يروّج لنفسه، وأحيانا بإبداع يتفوق على البضاعة الصالحة.

إلى أين يأخذنا هذا الجنون، وكيف سيواجه الجيل الجديد هذه الموجة الرهيبة من العبث والهراء؟

إنه السؤال الأكبر الذي ينبغي أن يتصدى له العلماء والمفكرون المخلصون، بخاصة حين يتعلق الأمر بقضايا الدين والأخلاق، بجانب توجيه الأمة في قضاياها المركزية.

وهنا تبدو المسؤولية أكبر على أولئك الذين يعيشون في الخارج، ويمكنهم التحدث بحرية أكبر من دون أن تطالهم عصا القمع.

يحتاج المخلصون إلى تتبع هذه الموجات المتوالية من مواقع وطرائق التأثير، والعمل من خلالها لتوصيل أفكار أكثر جدية وتأثيرا، بخاصة في الأجيال الجديدة، مع ضرورة أن تكون تلك الأفكار قابلة للتسويق، لأن كثيرا من القديم يحتاج إعادة نظر، لا سيما أن مقولة هذا مخصص لأولي العلم لم تعد صالحة لأن الجدل في كل شأن صار متاحا للجميع.

لا شك أن الجانب السياسي بالغ الأهمية، لكن الجانب الديني والتراثي لا يقل أهمية، إذ أن هناك الكثير من الأشياء التي تحتاج لإعادة نظر من قبل أهل العلم المخلصين، بعيدا عن الارتهان لأصحاب الأصوات العالية الذين يتجاهلون طبيعة الأجيال الجديدة وحسّها النقدي.

هي معركة بقاء لا بد من خوضها اعتمادا على دين عظيم، وضمير جمعي متميز، قد يتأثر ببعض الكلام الفارغ، لكن الكلمة الصادقة هي الأكثر قربا منه، وتأثيرا فيه.