مناورة الركن الشديد .. دفاعية السيناريو وهجومية الرسالة

الثلاثاء 29 ديسمبر 2020 07:43 م بتوقيت القدس المحتلة

من على منصة لا ترفع سوى علم فلسطين، وبكوفية فلسطينية أعلن الناطق العسكري باسم الغرفة المشتركة لفصائل المقاومة الفلسطينية عن انطلاق مناورة الركن الشديد. لقد كان تأكيد الناطق على أن سلاحنا حاضر وقرارنا موحد” انعكاس لجهود كبيرة بذلتها المقاومة الفلسطينية للوصول إلى حالة تماسك حقيقية في قيادة المقاومة المسلحة، بما يحمله من معاني واضحة حول إرادة المقاومة الفلسطينية لإثبات القوة واستعراضها أمام شعبها لطمأنته على أنها على عهد حماية حقوقه الوطنية وجهوزيتها للدفاع عنه من أي عدوان.

كما أن العدو هو أكثر من سيقرأ رسائل المقاومة العسكرية التي تعكس القرار السياسي بأن المواجهة معه ليست إلاّ مسألة وقت، وأن مشروع المقاومة يتنامى رغم كل; حفلات التطبيع; التي لا يمكن أن تمنع الفلسطيني من انتزاع حقوقه الوطنية، وما دام الاحتلال لفلسطين قائماً فإن القضية الفلسطينية ستبقى نقطة المركز بالنسبة لكافة القضايا العربية والإقليمية، باعتبار أن وجود الاحتلال الإسرائيلي هو وجود غريب في تكوينه، وغريب في نسيجه الاجتماعي الهجين؛ الذي لا يقبل أي شراكة أو اندماج مع الآخر.

صحيح أن سيناريوهات المناورة هي دفاعية لكنها بلا شك سيقرأها العدو بعمق من خلال رصد التطور النوعي للسلاح والمهارة في تنفيذ تلك السيناريوهات التي تحمل إشارات هجومية تدركها استخباراته، وترصدها طائراته المسيرة على مدار الساعة. 

لا يزال الشعب الفلسطيني يراكم من فعله المقاوم والرافض للوجود الصهيوني على أرضه حيث تشكلت المقاومة الفلسطينية كحالة رفض للاحتلال الصهيوني لفلسطين منذ بداية الانتداب البريطاني عليها عام 1920م كنتيجة طبيعية لحق الشعب الفلسطيني بحرية إدارة شئونه على أرضه الحرة. ومنذ ذلك اليوم والمقاومة تعمل على تقويض ذلك المشروع الصهيوني الذي جاء بدعم بريطاني وأممي واضح تمثل في الاتفاق السري بين بريطانيا وفرنسا بما عرف باتفاقية سايكس بيكو (1916م)، وحتى قيام دولة (اسرائيل 1948م) مرورا بثورة الزُرَّاع في عشرينيات القرن الماضي وثورة الشهيد عز الدين القسام في ثلاثينيات ذلك القرن.

إن اغتصاب الأرض الفلسطينية على أيدي عصابات الأرغون والهاجانا واشتيرن الصهيونية بشكل مسلح، ومن ثم إعلان اسرائيل دولة على الأرض الفلسطينية واستكمال احتلال كامل التراب الفلسطيني عام 1967م بما فيها شرقي مدينة القدس، كل ذلك أسس لعمل مقاوم مسلح من جميع التيارات والأحزاب الفلسطينية التي قد تختلف في الأيدلوجيا لكنها تتوحد في الهدف، وهو إنهاء الاحتلال الصهيوني من على الأرض الفلسطينية بمعنى تحرير فلسطين كل فلسطين. وهذا يشهد به التاريخ أنه كان سبب وجود كافة الأحزاب والتنظيمات على الأرض الفلسطينية وهو نفسه مبرر اسنادها عربياً وإسلامياً بل وحتى عالمياً باعتبار أن حق مقاومة الاحتلال تكفله كافة العهود والمواثيق الدولية.

مع تطور الحالة الفلسطينية من شعب يعيش على أرضه إلى شعب مهجر داخل أرضه وخارجها؛ نتج عن ذلك الحاجة لتوسع عمل الحركات الفلسطينية لتشمل رعاية اللاجئين الفلسطينيين حيثما وجدوا مع استمرار العمل العسكري “الجهادي” “النضالي” ضد الاحتلال الإسرائيلي وصولاً إلى المقاومة المسلحة في الانتفاضة الثانية (انتفاضة الأقصى 2000م) مروراً بالمقاومة الشعبية في الانتفاضة الأولى (1987-1994م) حيث تشكلت أجنحة عسكرية واضحة المعالم، أخذت هامشاً واضحاً في الإعداد والعمل المقاوم ضد الهجمات الإسرائيلية المتكررة على الاراضي الفلسطينية تحت سيادة السلطة الوطنية الفلسطينية (1994م) كرد فعل طبيعي لقصور الحماية التي توفرها الأجهزة الأمنية الفلسطينية الرسمية للأرض والإنسان الفلسطيني.

ومع إعادة احتلال الضفة عبر عملية السور الواقي في مارس 2002م ثم إعلان الرئيس محمود عباس أن “التنسيق الأمني مقدس” ومع “حروب” إسرائيل المباشرة على غزة (الرصاص المصبوب-حرب الفرقان 2008، عمود السحاب-حجارة السجيل 2011، الجرف الصامد-العصف المأكول 2014) فقد ظهر واضحاً جلياً دور فصائل المقاومة الفلسطينية في رد العدوان الإسرائيلي وشن هجمات موجعة للاحتلال برز خلالها مصطلحات ذات دلالة عسكرية ونوعية مثل “خلف خطوط العدو” و “نقطة صفر”.

صحيح أن أجهزة الأجهزة العسكرية للمقاومة تتبع لأحزاب وجماعات ذات طابع أيديولوجي متعدد، فمنها ما هو إسلامي ومنها ما هو يساري ومنها ما يعتبر نفسه وطنياً، إلاّ أن هناك مساحات واسعة من التداخل الأيديولوجي، ويرجع هذا التنوع إلى طبيعة التوجهات الفكرية المتعددة داخل المجتمع الفلسطيني التي تشكلت على طول الثورة الفلسطينية، والتي لا ينكر أحد أن العلاقات البينية للفصائل قد أصابها الوهن والفتور أحياناً والتنازع والخصومة أحياناً أخرى، ولكن ذلك كله لم يكن ليحرف بوصلة تلك الفصائل وأجهزتها العسكرية عن مواجهة المحتل، وإن كان بنسب متفاوتة.

لقد بدأت مناورة الركن الشديد برشقة صواريخ تجاه البحر، فهي لا تزال رمزاً عسكرياً للمقاومة وعنواناً لتعاظم قوتها المتنامية براًَ وبحراً وجواً. فهل بداية المناورة بصورايخ هجومية سيقرأها العدو على أن المناورة دفاعية فقط؟!