الانتخابات.. ما تمليه الشعارات تأباه المصلحة

الخميس 14 يناير 2021 03:16 م بتوقيت القدس المحتلة

في الحالة الفلسطينية ليس مفهوماً كيف غدا إجراء الانتخابات في عرف كثيرين المطلب الأكثر إلحاحاً كلما أُجريت مباحثات وحوارات متعلقة بالمصالحة، وليس مفهوماً لماذا يتم دائماً تحييد كل الملفات المهمة في القضية الفلسطينية لصالح ملف الانتخابات، الذي هو في حقيقته إجراء يفترض أن يكون تالياً لحل إشكالات عديدة أو نتيجة يتوّج بها اتفاق المصالحة في حال صمد على الأرض بعد متطلبات كثيرة ينبغي أن تنفّذ بين يديه.

لو سألنا عن الإشكالات التي سيعالجها أو يحلّها إجراء الانتخابات فلن نظفر بإجابة عملية، تتجاوز سقف الشعارات المطروحة بين يدي موضوع كهذا، وهي ستظل شعارات لأن مصداقيتها لم تختبر قط، فنتيجة الانتخابات الأولى أفرزت إنكاراً واسعاً بين صفوف حركة فتح ممثلة بالسلطة وأجهزتها السياسية والأمنية، ثم انقلاباً واضحاً عليها، نجح في الضفة الغربية وأخفق في غزة، وظل المجلس التشريعي معطلاً منذ ذلك الوقت وممنوعاً من الانعقاد، فيما تم حلّه قبل نحو عامين بقرار سياسي من الرئيس عباس، دون أن يستند إلى مسوّغ دستوري، ما يعني أن هناك سؤالاً بسيطاً وملحاً يطرح نفسه بتلقائية وهو: ما الذي سيضمن عدم تكرار السيناريو السابق في حالت جاءت الانتخابات بما لا تشتهي سفينة السلطة الفلسطينية والمجتمع الدولي؟ بل ما هي ضمانات إجراء انتخابات تمتلك الحد الأدنى من النزاهة ومقومات النجاح؟.

لقد أخفقت الفصائل الفلسطينية كلها في إرغام فتح على التراجع عن خطاياها السياسية وعن إجراءاتها الأحادية في المشهد الفلسطيني وعن التخلي عن نفَسها الإقصائي وتفردها في اتخاذ القرارات المصيرية والخطرة التي تمسّ القضية الفلسطينية برمتها، وآخرها إعادة العلاقات مع الاحتلال دون أي ضمانات أو مؤشرات على حدوث تغيّر في السياسة الإسرائيلية على أي مسار من مسارات تصفية القضية الفلسطينية، هذا القرار اتخذته فتح في ظل حالة متقدمة من التفاهم الفلسطيني في حينه، ومع ذلك فلم تجد حاجة لمشاورة بقية المكونات الفلسطينية على الساحة، فكيف سنتوقع منها احترام نتيجة الانتخابات أو حتى تسهيل إخراجها بصورة نزيهة تتيح منافسة متكافئة لبقية خصومها؟

إن قيادة السلطة الفلسطينية وحركة فتح في تعاملها مع بقية الفصائل الفلسطينية تمارس عملياً ما مارسه الاحتلال معها خلال مسيرة التسوية عبر سنوات طويلة، فالاحتلال يفرض وقائع على الأرض ويطبق إجراءات مخالفة لاتفاق التسوية الأساسي، والسلطة لا تلبث أن تخضع لهذا الأمر الواقع وتسلّم بمعطياته، وهذا تماماً ما تحاول فرضه على شركائها في الطيف الفلسطيني الواحد، وهو للأسف ما تنجح حتى الآن بالظفر به، دون أن تقدم هي ما عليها من التزامات، ودون أن تتراجع عن أي من سياساتها السابقة التي أسست للانقسام وساهمت في تعميقه، وفي تأزيم المشهد الفلسطيني على هذا النحو.

لا تحتمل الممارسة السياسية غالباً إبداء حسن النوايا وتقديم المبادرات المجانية، والقول إن على طرف ما أن يقدم دائماً ما يجعله يبدو متقدماً في إطار التنازل لأجل الصالح العام هو قول ينطوي على مخاتلة وسذاجة كبيرتين، فمن قال إن سياسة سحب الذرائع من الخصم ناجعة أو ناجحة دائما، أو يمكن أن تعني شيئاً كثيراً إن كانت ستمضي بصاحبها في حقل ألغام، وتضعه أمام خيارين أحلاهما مرّ؟ بل كيف يمكن خوض مسار خطر دون ضمانات ملموسة، وبلا تفكير عملي في المآلات؟

لا أحد يرى أن الواقع الفلسطيني الحالي مثالي أو نصف مثالي، فهو واقع رديء على جميع المستويات، لكنّ تفكيكه لا يتطلب التسرّع في اعتماد حلول عقيمة تعقّد المشهد أكثر مما تفككه، وخاصة إن تم اللجوء إليها تحت الضغط والإكراه، ولمجرد إبداء حسن النوايا أمام طرف متعنت ومتسلح بكل أدوات الإفشال، ونزعات المزاجية السياسية، وعقلية الإقصاء والهيمنة، والقابلية للانقلاب على كل حالة لا تميل لصالحه دونما حاجة لمسوّغات أمام الشعب ومؤسسات النظام السياسي المختلفة.

إن ما تمليه الشعارات تأباه المصلحة العامة في قضايا كثيرة، ومن بينها قضية المصالحة الفلسطينية، ولعلنا لا نبالغ إن قلنا إنها أكثر قضية تكتنفها الشعارات أكثر مما تعالجها الرؤى الواقعية، لأن هذا ببساطة ما يناسب كثيرين من المتحدثين عنها أو باسمها، لكن هذا لن يغيّر من الواقع شيئا، ولن يستجلب متطلبات التغيير الحقيقية، حتى وإن انساق كثيرون خلف السردية النمطية للانقسام ومتعلقاته.

بروز رأي يقول بوضوح إن الانتخابات هي آخر ما تحتاجه الحالة الفلسطينية في ظل تحدياتها العديدة والمعقدة ليس رجساً من عمل الشيطان ولا محاولة لإدامة الانقسام كما يروّج معتنقو الشعارات أو غير المكترثين بنشوء حالة اقتتال داخلي لاحقا، بل هو رأي يزداد وجاهة مع كل متغيّر جديد على الساحة الداخلية أو الإقليمية، ومع كل تحدّ يمثل على الأرض، ومع كل شرخ في بنية السلطة الفلسطينية أو تراجع عن خطوة سابقة لها، أما مداخل التعافي فهي معروفة ومفهومة لكل من يرى الواقع بمنظار المصلحة المرجوة بعيداً عن نزعات تصفية الحسابات والرغبة بإزاحة تيار أو جهة عن المشهد، فالإشكالات الداخلية علاجها التراجع عنها، مع التأسيس لواقع ميداني صحيّ يتاح العمل التنظيمي والوطني فيه للجميع، وبعد اختبار قابلية الوضع الجديد للصمود، يمكن الحديث في الخطوات التالية، ومن بينها الانتخابات.