"إسرائيل".. خطوة أكثر اندماجاً في تحالف شرق أوسطي

الأربعاء 20 يناير 2021 02:53 م بتوقيت القدس المحتلة

نقلت وزارة الدفاع الأمريكية "إسرائيل" من منطقة القيادة العسكرية الأمريكية في أوروبا، إلى منطقة القيادة العسكرية الوسطى، والتي يقع في نطاق عملها جميع دول الخليج، إضافة إلى دول عربية وإسلامية أخرى، منها، سوريا والعراق والأردن ولبنان وإيران وباكستان. هذه القيادة التي تشرف على جميع القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج، وأبرزها قاعدة "العديد" في قطر، هي المسؤولة التنفيذية بالدرجة الأولى عن الحروب الأمريكية في منطقة الخليج، والعراق، وأفغانستان، وتُعنى اليوم بـ"التهديد الإيراني".

أبقى الجيش الأمريكي "إسرائيل" خارج نطاق القيادة الوسطى حين تأسيسها في العام 1983، لكون الدول العربية، باستثناء مصر، لا تعترف بعد بـ"إسرائيل"، وبما أنّ هذه الأخيرة، وأكثر الدول العربية، أبرزها دول الخليج، حلفاء للولايات المتحدة، فقد كان من الصعب تنسيق الأعمال العسكرية، والخطط الاستراتيجية، بين "إسرائيل" وبقية حلفاء الولايات المتحدة.

هذا الانتقال في موقع "إسرائيل" بالنسبة لإدارات الجيش الأمريكي، تدشين فعلي شبه معلن لتحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي، الذي تعمل على ترسيخه الولايات المتحدة، في السنوات الأخيرة

هذا الانتقال في موقع "إسرائيل" بالنسبة لإدارات الجيش الأمريكي، تدشين فعلي شبه معلن لتحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي، الذي تعمل على ترسيخه الولايات المتحدة، في السنوات الأخيرة، برؤية يبدو أنه قد جرى ترتيبها، بين "إسرائيل" وعدد من الدول العربية، حتى قبل مجيء إدارة ترامب، وقبل موجة التطبيع الأخيرة. ويمكن هنا التخمين، أن تحالفاً سرّيّاً سبق إدارة ترامب، وكانت هذه الإدارة واحدة من ثماره، وصلت البيت الأبيض والرؤى لإعادة ترتيب المنطقة جاهزة، لتكون بداية التلميح لهذا الترتيب في بيان قمة الرياض، في أيار/ مايو 2017، الذي نصّ على ذلك التحالف، في السياق نفسه الذي أكد فيه الالتزام بـ"مواجهة نشاطات إيران التخريبية والهدامة بكل حزم وصرامة"، وعلى "خطورة برنامج إيران للصواريخ الباليستية".

سريعاً بدأت تظهر المعالم الأولى لهذه الرؤية، بتنظيم هجمات إعلامية متواصلة ومكثفة على الفلسطينيين، تستهدف تفكيك قضيتهم، لا بهدف تحويلها إلى محلّ اختلاف محتمل بين وجهات النظر، بل بهدف ترجيح الرواية الإسرائيلية عليها، وهو ما كان يستدعي خلطاً كبيراً بين جملة عناصر؛ أهمها تنميط الفلسطينيين في صورة شياطين، وأنسنة الإسرائيليين بما يلغي عامل الصراع والعدوان تماماً، وإعادة توظيف الخطاب الديني، باستحضار الصهاينة بوصفهم أهل كتاب، وأخيراً بإعادة النظر في سردية الاحتلال كلّها، وفي كلّ ما تتضمنه القضية الفلسطينية من عناصر قوّة تربط بها عموم العرب والمسلمين، وصولاً إلى التشكيك إمّا في منزلة المسجد الأقصى، أو في نفي وجوده أصلاً في فلسطين.

لم تكن صدفة، والحال هذه، تصريحات نتنياهو في العام نفسه (2017)، عن أن مشكلة "إسرائيل" ليست مع قادة الدول العربية، وإنما مع الشعوب العربية، والرأي العام العربي، في موقف تتناغم معه بالكامل حملات التحريض على الفلسطينيين، وتفكيك قضيتهم، لتكون القضية في النتيجة مسألة شعب مشاغب، يمكن امتصاص شغبه بكشف ظهره أولاً وتركه وحيداً، وبتحطيم معنوياته بإظهار العلاقة مع "إسرائيل" في صورة تحالف اندماجيّ كامل، كما هو حال التطبيع الإماراتي خصوصاً، ثم بتصميم خطّة لاستيعابه والفراغ من قضيته، وهو ما تمثله خطة ترامب، ورؤى اليمين الإسرائيلي، الساعية لتفريغ السلطة الفلسطينية من مضمونها السياسي، وتحويلها إلى إدارات محلية محكومة بالكامل إلى اشتراطات الأمن الإسرائيلي.

اتفاقات "أبراهام"، وجهود تربيط سياسات التطبيع، والترويج لها، وما أبدته بعض الدول من امتزاج كامل بالمشروع الصهيوني، هي ملامح تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي، الذي فيه "إسرائيل" عنصر طبيعي، يستدعي علاقة طبيعية، تتفوق في طبيعيتها على العلاقة مع الفلسطينيين

اتفاقات "أبراهام"، وجهود تربيط سياسات التطبيع، والترويج لها، وما أبدته بعض الدول من امتزاج كامل بالمشروع الصهيوني، هي ملامح تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي، الذي فيه "إسرائيل" عنصر طبيعي، يستدعي علاقة طبيعية، تتفوق في طبيعيتها على العلاقة مع الفلسطينيين، بل إنّ العلاقة مع الفلسطينيين غير طبيعية، لكونهم عامل شغب وتشويش على هذا التحالف!

بات نقل موقع "إسرائيل" إلى القيادة العسكرية الأمريكية التي تشمل منطقتنا، بما في ذلك إيران، مطلباً ضروريّاً، بعدما تمكّنت الأطراف (دول عربية و"إسرائيل") من تطوير العلاقات البينية، وتربيط التحالفات الإستراتيجية السرّية بأبعادها الأمنية والعسكرية، وإظهار جانب من هذه العلاقات في تحالف اندماجيّ يتبنّى المصلحة الإسرائيلية بالكامل.

نظرة شاملة على تاريخ الدول الأكثر اندماجاً في التحالف مع "إسرائيل"، ووظيفتها، ومخاوفها، ومشكلاتها الداخلية، وموقعها الإقليمي، ونمط تبعيتها للولايات المتحدة، يفسح المجال للاعتقاد، مع عمليات التنسيق الحثيثة، سواء في إطار القيادة الأمريكية الوسطى أو في إطارات أخرى، كالمناورات العسكرية التي جمعت الإمارات بـ"إسرائيل" في اليونان حتى قبل الإعلان عن تطبيع العلاقات، بأنّ هذه التبعية سوف تتحوّل إلى خضوع عربيّ عسكريّ مباشر لـ"إسرائيل" نفسها، لا سيما وأنّ استشعار الذات مجرّد محميّة تعيش في الظلّ الأمريكي، بدأ ينتقل للاحتماء بالنفوذ الإسرائيلي، مع غموض مستقبل الضمانات الأمريكية في المنطقة.

مظاهر الاندماج المحموم التي أبدتها بعض الدول في علاقاتها بـ"إسرائيل"، وكما تهدف إلى تحطيم القواعد القديمة، والمسارعة في تفكيك القضية الفلسطينية، وتصعيد مكانة "إسرائيل" دولة طبيعية، فإنّها تهدف كذلك إلى مغالبة التحولات السريعة، والسيولة العالية في المنطقة والعالم، وتبديد الغموض الاستراتجي المستحكم منذ عقد من الزمان. ولا ينبغي، بعد أخذ جملة العوامل الدالّة على هشاشة هذه الدول وتبيعتها للولايات المتحدة، المبالغة في تقدير عوامل وطنية ذاتية، أو تعظيم أسباب التباين البيني، خاصة بين أركان التحالف، أو توهم احتفاظ بعض الدول بموقف أصيل من القضية الفلسطينية، بالرغم من تحالفها الباطنيّ مع "إسرائيل".