حماس تنتخب قيادتها

الأحد 21 فبراير 2021 10:39 ص بتوقيت القدس المحتلة

ما زالت تتمازج وتتدافع الأجيال داخل حركة حماس منذ انطلاقتها، لتشكل نموذجاً فريداً بين الفصائل والقوى الفلسطينية في تجديد قيادتها وتطوير مؤسساتها وأنظمتها، وما زالت تختار قيادتها وفقا لأنظمتها الديمقراطية في كل دورة تنظيمية، دون أن يكون لأي من كوادرها أو قياداتها تولى أي منصب من المناصب القيادية أو الشورية فيها دون رغبة من عناصرها، فقيادة حماس تفرز من خلال قواعدها التنظيمية في عملية انتخابات داخلية رائعة حق لحماس أن تفخر بها.

اول أمس الجمعة توجه عشرات الآلاف من عناصر حماس الى مراكز الاقتراع، لتبدأ المرحلة الأولي من اختيار قيادة للحركة مدة أربع سنوات قادمة، وقد اعترت عملية الانتخابات أجواء رائعة من التنظيم الدقيق الذي مكن كل عنصر من الادلاء بصوته في جو من الحرية الكاملة، دون وجود أي منغصات قد تحول دون إتمام العملية الانتخابية حتى نهاية مراحلها بهدوء وسلام، فرغم العدد الكبير الذي قد يصل الى عشرات الآلاف في مرحلة الانتخابات الأولى، لم تسجل أي ملاحظات تشير الي وقوع ما قد يشوه جمال هذه العملية الديمقراطية الداخلية الرائعة.

مما يحسب لحركة حماس ويشير الي قوة بنائها التنظيمي، أنها تجرى انتخاباتها الداخلية في عملية تكاد تكون متزامنة مع المرحلة الأولي من مراحل الانتخابات الفلسطينية العامة للمجلس التشريعي الفلسطيني، ففي الوقت الذي يتجند فيه عناصر وكوادر وقيادات الحركة كافة من أجل خوض هذه المعركة الصعبة في هذا الوقت الحساس والدقيق من تاريخ الشعب الفلسطيني، لم يمنع ذلك كله الحركة من إجراء انتخاباتها الداخلية، وهو أمر قلما تقدر على إنجازه أكبر الحركات والأحزاب حتى في أكثر الدول استقراراً وممارسةً للعملية الديمقراطية.

تختار حماس قيادتها الجديدة لتتولى العمل خلال المرحلة القريبة المقبلة على ملفات كبيرة وشائكة وصعبة، تبدأ في الحفاظ على تطوير أطرها التنظيمية الداخلية فكرياً وفي ذات السياق استيعاب أجيال جديدة من أبناء الشعب الفلسطيني، من خلال طرح فكرها المنبثق عن الفهم الوسطى للإسلام ثم الايمان العميق بالقضية الوطنية و حق الشعب الفلسطيني باستعادة أرضه ونيل استقلاله، ثم مروراً بالحفاظ على قوتها المقاومة وتطوريها وتهيئة كل الظروف لتمكينها من تحقيق هدفها السامي بتحرير الوطن وتطهير مقدساته، وكذلك العمل على نسج علاقة متينة  ومتوازنة مع الفصائل والقوى التنظيمية الفلسطينية كافة للحفاظ على حالة من الانسجام في العمل الوطني، رغم اختلاف التوجهات والرؤى الفكرية لهذه التنظيمات، ذلك بالتوازي مع العمل خارجياً على نسج علاقات مع الشعوب والدول الصديقة للشعب الفلسطيني لكسب الدعم والتأييد على الصعيدين الإقليمي والدولي، وتشكيل جدار حماية للقضية الوطنية الفلسطينية يحميها من محاولات التصفية التي قد تطالها، فضلاً عن العديد من الملفات المهمة التي توليها الحركة اهتمامها وعنايتها.

كل ما سبق يشير الي مدي التطور الذي تعيشه حركة حماس على الصعيدين الداخلي والخارجي، رغم قسوة الظروف التي تتعرض لها داخلياً من خلال الاحتلال الذي يسخر كل طاقاتها لمحاربتها عسكرياً وأمنياً واقتصادياً، إضافة الى حالة الاختلاف مع القطب الثاني للعمل الفلسطيني حركة فتح وما خلفه من انقسام، وكذلك على الصعيد الخارجي من خلال الحصار الدولي والإقليمي ووضع الحركة على قائمة الإرهاب الاوربية والأمريكية، وما يصاحب كل ذلك من تضييق وملاحقة وانحسار في مجال العمل السياسي والدبلوماسي لديها.

ما تقوم به حركة حماس هو نوع من الاعجاز الذي لا يمكن أن يتولد إلا عن قيادة صلبة عنيدة، وفي الإطار ذاته هي قيادة حكيمة وواعية وراشدة، تستشرف طريق المستقبل، وتعي توازنات الحاضر، وتستند إلى إرث قيمي عظيم من تاريخها، الذي أنار صفحاته سِيَر من سبق من قادتها ورموزها وشهدائها، وهو أمر لم يكن ليحدث لولا هذا التناغم والانسجام والتماسك بين قيادة الحركة قواعدها والتمسك بمبادئها وقيمها والتجرد عن الأهواء والمصالح، وكل ذلك نتاج الحالة الديمقراطية والشورية التي تتمسك بها الحركة حتى أصبحت جزء من تكوينها التي يتربى عليه عناصرها وينتقل من جيل الي جيل بين أبنائها.

أيام قليلة وستتولى قيادة حماس الجديدة دفة سفينتها لتنشر أشرعتها وقلوعها وتبحر بها من جديد، ربما بين عواصف عاتية وأمواج متلاطمة وظروف قاسية، ولكنها ستكون دائما سفينة قادرة على تحدى العواصف والأمواج، لترسو حيث أراد لها ربانها وحيث يرنو أبناؤها، نحو الشاطئ الذي تأبى أن ترسو على سواه، وسترسو بإذن الله على شاطئ فلسطين.