الاستقطاب الانتخابي يكسر جمود البرامج السياسية

الثلاثاء 02 مارس 2021 08:32 م بتوقيت القدس المحتلة

الاستبشار بصدور مرسوم تشكيل محكمة قضايا الانتخابات هو انعكاس طبيعي لحالة الدفع باتجاه التوافق الوطني؛ أكثر منه فرحاً بضمان النزاهة والشفافية! إذ أن الكل الوطني يرى أن تمرير الانتخابات التشريعية يمثل تكتيكاً إجرائياً للوصول إلى انتخابات الرئاسة ثم المجلس الوطني.

التوصيف السابق يمثل وجهة نظر محترمة؛ لكن ثمة وجهة نظر أخرى لأصحاب القبعة السوداء، أو ما أسميها القبعة الحذرة، التي يميل أصحابها إلى تقديم التخوفات والمحاذير على الآمال والطموح. حيث أن تعدد التجارب على مدى خمسة عشر عاماً من إدارة الإنقسام رسمت سلوكاً انتقائياً في تنفيذ التوافقات والتفاهمات الوطنية. حيث دأبت السلطة وحركة فتح على تنفيذ البنود التي تخدم تفردها وتعزيز سطوتها الوطنية، وتترك ما عداها بحجج واهية تحت عناوين مختلقة كالتمكين والتسليم، واشتراط القبول ببرنامج المنظمة (أي برنامج أبو مازن)!

ومع ذلك أرى أننا مجبرون على التفاؤل ولسنا مضطررين للتشاؤم، فلم نكن أقرب إلى الانتخابات من هذه المرة، فالحراك التنظيمي لدى كل الفصائل الفلسطينية على قدم وساق، وقوائم المستقلين الانتخابية تتشكل وتندمج وتنقسم يومياً. حتى حركة الجهاد الإسلامي التي أعلنت رسمياً أنها لن تشارك في قائمة انتخابية، إلاّ أنها لن تترك خيار ترشيح شخصيات بصفة مستقلين، بل وستدفع عناصرها للتصويت من أجل حماية بندقية المقاومة.

إن الوصول إلى يوم الاقتراع 22 مايو هو حلم فلسطيني كبير يستحق التضحية من أجله، لما يمثله من تجسيد للقوة الذاتية التي تخطت 15 عاماً من الفشل الوطني في إنهاء الإنقسام، رغم تعدد التفاهمات ووضوح البنود والمسارات الوطنية التي تمت صياغتها مراراً وتكراراً. وإلى أن يتحقق ذلك الحلم فنحن بحاجة إلى ممارسة أعلى درجات الوعي الوطني تجاه محاولة حرق المراحل أو تجاهل المحاذير على مبدأ "الانتخابات بأي ثمن” وكأن إجراء الانتخابات هو الحل السحري للأزمة الوطنية!

نحن نمر بمرحلة إعادة تشكل وصياغة على أساس الاستقطابي الانتخابي متعدد القطبية، ولعل تعدد القوائم الفتحاوية يشي بذلك. فلم تعد فتح "أوسلو” قطباً انتخابياً في مواجهة حماس "المقاومة”، فكلا الحركتين قد ينتج عنهما قوائم تمثل خليطاً من الفصائل والمستقلين، بعضها بالتأكيد سيهاجم أوسلو وأخرى ستركز على نقد تجربة المقاومة، وبين هذه وتلك قوائم أخرى ستغرد بوعود لا رصيد لها عند الدول ولا المانحين!

ومع ذلك فلا يجب أن نضحي بكل شئ من أجل انتخابات لا تنقلنا إلى حالة سياسية أفضل، ولا أقول أن ذلك يعني تجاهل الاختلافات الكبيرة بين الفصائل، ولكن شهوة البقاء لدى السلطة وخوفها من خسارة الانتخابات لصالح قوى وطنية، يجعل الكثيرين يخشون من نزعتها إلى تعطيل الانتخابات -كما في كل مرة- وبالتالي الذهاب إلى مزيد من التشظي الوطني، والذي سينتج -بالضرورة- بناء على افرازات الاستقطاب الانتخابي، والذي بات واضحاً في تشكيل القوائم الانتخابية.

لا شك أن صياغة البرامج الانتخابية لدى جميع القوائم لن تكون سياسية فقط، ولكنها ستحوي مقاربات خدمية واقتصادية لفئات اجتماعية متعددة -وهذا هو حال الانتخابات- رغم أن الخط السياسي العام سيبقى مؤثراً على روح تلك البرامج تماشياً مع الحالة الفلسطينية، إذ كيف يمكن لأي قائمة أن تتجاهل بيان موقفها من مقاومة الاحتلال أو مشروع التسوية؟!

سنرى محاولات جريئة لكسر الجمود السياسي الذي لطالما اُتُهِمت به الفصائل الفلسطينية، من خلال البرامج الانتخابية التي بالضرورة ستراعي وجود مستقلين ضمنها، كما أن الكوتة النسائية ستفرض نفسها بالضروة على الحياة المدنية، بالإضافة إلى أن تعدد القوائم لنفس الفصيل والتي ستفكك الكثير من عقده التاريخية وأسراره الداخلية.