غزة - محمد هنية
دعا المستشار أسامة سعد رئيس ديوان الفتوى والتشريع في قطاع غزة، إلى الحذر إعلان المحكمة الجنائية الدولية فتح تحقيق رسمي في جرائم الحرب بالأراضي الفلسطينية يشمل طرفي الصراع"، وفق توصيفها، مؤكدا أن هذه التحقيقات قد تطال الضحية.
وقال سعد في حديث خاص لوكالة "شهاب"، "إنه ينبغي استقبال هذا الإعلان بحذر، حيث يمكن أن يشكل مدخلا لمحاكمة المقاومة الفلسطينية، مضيفا أن محكمة الجنايات تمارس ولايتها بشكل مطلق ولا تحقق بجرائم دون جرائم، وبالنظر إلى التقارير الدولية الصادرة من فلسطين والتي شكلها مجلس حقوق الإنسان واللجان الدولية وتقارير الدراسة الأولية التي أصدرتها المدعية العامة على مدار 3 سنوات، جميعها تشير الى ما أسمته "ارتكاب الجماعات الفلسطينية المسلحة جرائم حرب"، معتبرا ذلك "مكمن الخطر".
وأوضح أنه يجب التنبيه من خطر كامن في ثنايا القرار، يتمثل في أن بدء التحقيقات في نطاق ولاية المحكمة الإقليمية تعني أن تفتح التحقيقات في كل الجرائم (من وجهة نظر المدعي العام للمحكمة) التي وقعت في النطاق الزمني والإقليمي لولاية المحكمة، بمعنى أن التحقيقات ليست قاصرة أو محصورة فقط بالجرائم التي ارتكبها قادة العدو وجنوده، لكن أيضاً فيما يعده المدعي العام "جرائم" ارتكبتها الفصائل الفلسطينية.
وأوضح سعد أن هناك ما هو أكثر من ذلك، حيث أشارت التقارير إلى أن الاحتلال قد مارس بعض الإجراءات القضائية في بعض الجرائم التي قد يكون جنوده قد ارتكبوها، لكن الجانب الفلسطيني لا يُحقق، وهنا مكمن الخطر.
وأشار إلى أن القضاء الدولي يعمل وفق مبدأين، الأول المقبولية وتتم عبر الدراسة الأولية من مكتب المدعية العام للمحكمة الدولية، ويدرس إذا كانت الجرائم تقع في إطار ولاية المحكمة كاختصاص فني لها، فإذا ما وجدت مبررا معقولا يقول إن هناك جرائم تُفعل المبدأ الثاني وهو التكاملية.
ويعني المبدأ الثاني يعني أن دور المحكمة الدولية دوراً مكملاً للقضاء الوطني وليس بديلاً عنه، وبذلك يكون دورها مقتصراً فقط على الحالات التي لا تلتزم فيها الدول بمسؤوليتها القانونية وفقاً لقواعد القانون الدولي، ولذلك فإن مبدأ التكاملية يتطلب أن تكون الدولة المعنية غير راغبة أو غير قادرة على القيام بدورها في التحقيق في الجرائم الواقعة على أراضيها، والتي تدخل في نطاق اختصاص المحكمة، وذلك وفقاً للمادة (17) من نظام روما الأساسي.
ونبّه المستشار سعد إلى أن المدعية العامة ذكرت في تقريرها للعام 2020، ما يجزم بأنها حسمت أمرها بشأن التحقيق في الجرائم التي ارتكبتها المقاومة من وجهة نظرها، ولكنها لم تحسم أمرها بعد بشأن جرائم الاحتلال.
وجاء في تقرير المدعية العامة فقرة 222 صفحة 56، "وفيما يتعلق بمقبولة القضايا المحتملة المتعلقة بالجرائم التي يُدعى أن أفراداً من جيش الدفاع الإسرائيلي ارتكبوها، لا حظ المكتب أنه بسبب محدودية المعلومات المتاحة فيما يتعلق بالإجراءات التي تم اتخاذها ووجود إجراءات معلقة فيما يتعلق بادعاءات أخرى، فإن تقييم المكتب للمقبولية من حيث نطاق وحقيقية الإجراءات المحلية ذات الصلة لا يزال جارياً، وسيلزم إبقاؤه قيد المراجعة في سياق التحقيق، غير ان المكتب خلص إلى أن القضايا المحتملة المتعلقة بالجرائم التي يدُعى أن أعضاء من حماس والجماعات المسلحة ارتكبوها ستكون مقبولة عملاً بالمادة (17/1/أ-د) من النظام الأساسي"، وفق زعم التقرير
وفي عام 2018 ذكرت المدعية العامة في تقرير لها، "أن المعلومات المتاحة لها تدل على أن "إسرائيل" حققت على المستوى الوطني في الجرائم المزعوم ارتكابها، وقام مكتب المدعي العام بجمع المعلومات وتقيم أنشطة التحقيق ذات الصلة على المستوى الوطني داخل الجيش الإسرائيلي والنظام القضائي الإسرائيلي، "وأضافت" بإن مكتبها لم يتمكن من تحديد أي إجراءات (تحقيقات) وطنية ذات صلة بالجرائم المزعوم ارتكابها من قبل الجماعات الفلسطينية المسلحة".
وشدد سعد على أن ما سبق يعني بوضوح أن هناك قناعة باتت لدى مكتب المدعي العام، بأن مبدأ التكاملية قد يكون فعالا فيما يتعلق بالجرائم التي ارتكبها قادة العدو وجنوده، وذلك لوجود إجراءات قضائية داخل الجيش الإسرائيلي بخصوص هذه الجرائم، الأمر الذي قد يغل يد المدعي العام لمحكمة الجنايات الدولية عن التحقيق في هذه الجرائم، في حين أن يده طليقة تماماً في إجراء التحقيق فيما يتعلق (بالجرائم) التي ارتكبتها المقاومة من وجهة نظر مكتب المدعي العام، وفق تعبيره.
وحذر من أن الخطورة الشديدة تكمن في قدرة العدو على الخداع والتضليل والابتزاز، وقدرته على استخدام وسائل الضغط الدبلوماسية والسياسية والأمنية قد يحول دون محاكمة قادته وجنوده، بينما يبقى ظهر المقاومة مكشوفاً للقضاء الدولي، خصوصاً في ظل حالة التواطؤ العربي والدولي، مطلقا النداء بالتروي والدراسة المتأنية واستدعاء كل خبراء القانون والمؤسسات الحقوقية الفلسطينية لاثبات صورية محاكمة الاحتلال لجنوده، وأن ما تقوم به المقاومة الفلسطينية هو دفاع وعمل مشروع يحميه القانون الدولي.
ويأتي قرار محكمة الجنايات الدولية بعدما قضت المحكمة في الخامس من فبراير/شباط باختصاصها في النظر بالقضية. وأثارت الخطوة حينها اعتراض واشنطن وإسرائيل.
ورحبت السلطة الفلسطينية وحركة المقاومة الإسلامية حماس بقرار المحكمة الجنائية.
وقال حازم قاسم، المتحدث باسم الحركة في غزة، إن حماس ترحب بقرار محكمة الجنايات الدولية "بالتحقيق في جرائم الاحتلال الإسرائيلي ضد شعبنا".
وأضاف "مقاومتنا هي مقاومة مشروعة". وأكد أنها تأتي في إطار الدفاع عن الشعب الفلسطيني، وأنها مقاومة كفلتها كل الشرائع والقوانين الدولية.
بدورها أشادت الخارجية الفلسطينية بالقرار، مشيرة إلى أن "الجرائم التي يرتكبها قادة الاحتلال الإسرائيلي هي جرائم مستمرة وممنهجة وواسعة النطاق، وهذا ما يجعل الإنجاز السريع للتحقيق ضرورة ملحة وواجبة".
نحذّر من أن نصفق لقرار المحكمة بقبول اختصاصها على فلسطين دون تَرَوّ ودراسة متأنية، خوفاً من أن نكون كالذي استجار من الرمضاء بالنار.