قائمة الموقع

هل تجرى الانتخابات تحت سقف أوسلو فعلا؟

2021-03-10T11:08:20+02:00

تردد كثيرا في الآونة الأخيرة أن الانتخابات التشريعية المقبلة في 22 مايو، ما هي إلا أحد افرازات أوسلو، وأن كل ما ينتج عن هذه الانتخابات سيكون مسقوفاً بسقف أوسلو، وبناءً على ذلك اتخذت بعض الأحزاب والحركات والشخصيات مواقف بمقاطعة الانتخابات نتيجة لهذا الموقف، فهل نحن تحت سقف أوسلو فعلياً؟ أم أن هذا الرأي يحتاج الى وقفة تحليلية نستجلي من خلالها حقيقة الموقف؟

أنا أعتقد أن اتخاذ موقف حدي من هذه المسألة أمر غير واقعي، ويجب أن نتعامل مع قضية اتفاقية أوسلو وفقاً لاتجاهين: أما الاتجاه الأول فهو قانوني، لنتعرف على ما ينص عليه القانون الدولي في هذه المسالة، وأما الاتجاه الآخر فهو عملي واقعي لنرى هل ما يحدث على الأرض يتطابق مع نصوص الاتفاقية أم انه بخلاف ذلك.

ولنبدأ أولا بالجانب القانوني، فاتفاقية أوسلو هي اتفاقية وقعت بين شخصين من أشخاص القانون الدولي، وهما دولة الاحتلال ومنظمة التحرير الفلسطينية، وقد اكتسبت منظمة التحرير الفلسطينية صفتها كأحد اشخاص القانون الدولي منذ العام 1974م، حينما قبلت كمنظمة مراقب في الجمعية العامة للأمم المتحدة، ورغم أن الدولة هي الشخص الرئيس في القانون الدولي و هذا القول ما زال صحيحاً، الاّ انه اعتباراً من بدايات القرن الماضي، احتلت المنظمات الدولية، أوضاعاً كأشخاص من أشخاص القانون الدولي، ثم أصبحت حركات التحرر الوطني تتقدم على المسرح الدولي وصار لها حقوق وأوضاع معترف بها في القانون الدولي، وجاءت اتفاقيات جنيف لعام 1949 والبروتوكول الإضافي لعام 1977، لتمنح مقاتلي هذه الحركات أوضاعاً مميزة في الحماية وحقوقاً كمقاتلين وكأسرى حرب، وبذلك اكتسبت صفة أشخاص القانون الدولي كما يقول الأستاذ أنيس قاسم.

وحسب اتفاقية فينا للمعاهدات التي دخلت حيز النفاذ في العام 1980م، فان أسباب انقضاء المعادات متعددة، يمكن إجمالها فيما يلي: (التنفيذ الكلي - الرضا المتبادل - تحقق الشرط الفاسخ - حلول الأجل - سقوط المعاهدة - انقضاء المعاهدة بإرادة أحد الطرفين وحده - الحرب - شرط بقاء الشرط على حاله أو أثر تغيير الظروف في المعاهدات - استحالة التنفيذ - الإخلال الجوهري بأحكام المعاهدة)

وحيث إن اتفاقية أوسلو من حيث شروط انقضاء المعاهدات، وفقا لاتفاقية فينا السابق الإشارة اليها، قد تحقق فيها عدة شروط من شروط انقضاء الاتفاقيات، ولعل أبرزها شرط حلول الأجل حيث حل أجل انقضاء أوسلو منذ العام 1999م، ولم تجدد الاتفاقية منذ ذلك الوقت، وكذلك توفر شرط استحالة التنفيذ ذلك أن الاحتلال قضى على كل فرصة لتحقيق حل الدولتين من خلال استمرار عملية الاستيطان، وكذلك توفر شرط شن الحرب، فقد أقدم الاحتلال على شن ثلاث حروب مدمرة على الفلسطينيين خلال الفترة السابقة، فضلاً عن عمليات التصعيد التي كانت تحدث بين فترات الحروب، وكذلك أيضاً تحقق شرط الاخلال الجوهري بأحكام المعاهدة من خلال التنكر المستمر لكل ما وقع عليه الاحتلال بل  وصل به الأمر لقتل ممثل الطرف الآخر من الاتفاقية الشهيد ياسر عرفات رحمه الله. 

وبناء عليه فإن القول باستمرار أوسلو قانونيا من وجهة النظر القانونية يعتبر أمر فيه شك كبير، ولا ينهض كرأي قوي له وجاهته في المحاججة القانونية عند الاقتضاء، أما من الناحية الواقعية فإن تطبيق الاتفاقية على الأرض محل شك كبير، وذلك أن اتفاقية أوسلو كاتفاقية سلام لا يمكن فهم تطبيقها مع وجود حركات مقاومة مسلحة في قطاع غزة (وهو جزء خاضع لاتفاقية أوسلو على افتراض أن الاتفاقية مطبقة وسارية ) تمتلك جيشا من المقاتلين، الذين يخالف وجودهم أساساً أساس عقد الاتفاقية، التي نصت على أن يكون الوجود المسلح للفلسطينيين عبارة عن قوة شرطة مدنية فقط بتسليح خفيف، وتتعاون أمنياً مع قوات الاحتلال، ثم وجود مجلس تشريعي غير ملتزم إطلاقا باتفاقية أوسلو نتيجة انتخابات أفرزت قوى المقاومة منذ العام 2006م، وما تبع ذلك من عمليات عسكرية ضد الاحتلال وقصف لعاصمة الاحتلال من قبل المقاومة بالصواريخ، ناهيك عن فتح الحدود مع مصر لإدخال البضائع والأشخاص دون وجود أي أثر للاحتلال على الأقل من ناحية قطاع غزة، وربما من الناحية الظاهرية لدي الاشقاء المصرين، كل ما سبق إضافة للانتهاك اليومي للاتفاقية من قبل الاحتلال، أمر لا يستقيم القول معه أن اتفاقية أوسلو لا زالت مطبقة  من حيث الواقع في قطاع غزة.

أما في الضفة الغربية فإن اتفاق أوسلو سقط بمحاصرة المقاطعة واغتيال الشهيد ياسر عرفات على يد الاحتلال، وهو الذي وقع اتفاقية أوسلو بخط يده، وكان الطرف الأصيل عن الشعب الفلسطيني في التمثيل، ثم بعد ذلك استمرار الاستيطان بشكل موسع وتجاوز الاحتلال للصلاحيات المنصوص عليها في الاتفاقية ذاتها، كنقل الصلاحيات والبدء في مفاوضات الحل الدائم وفشل كل ما تلى ذلك من مفاوضات، وارتهان السلطة في رام الله بحكم الامر الواقع للاحتلال، كل ذلك يؤكد أن الاتفاقية سقطت في أصلها، وقد تكون عدلت من الناحية الواقعة والعملية تحت ضغط الاحتلال من طرف واحد، الأمر الذي يذهب بنا للقول أن أوسلو توجد حيث يستطيع الاحتلال فرضها بالقوة العسكرية، أو حيث لا تستطيع الإدارة الفلسطينية في الضفة الغربية التحلل منها بقهر الاحتلال، مما يجعل تطبيقها تطبيقاً قهريا يعيب الرضا الذي هو أساس كل اتفاق .

بناء عل كل ما سبق أظن أن القول بأن اتفاق أوسلو لا زال يحكم الشعب الفلسطيني وأن الانتخابات الفلسطينية تجرى تحت سقف أوسلو وهي إفراز له، قول يجانبه الصواب، ولا أراه إلا ذريعة تستخدم لتغطية المواقف السياسية، سواء تلك الرافضة للدخول في العملية الانتخابية، أو تلك التي ترغب بالبقاء تحت حماية الاحتلال للحفاظ على مصالح حزبية أو شخصية ضيقة.

اخبار ذات صلة