بقلم القيادي في حركة الجهاد الإسلامي: أحمد المدلل
بعيداً عن الحالة السياسية الفلسطينية وزحمة الحوارات وفوضى الانتخابات الفلسطينية العامة ، لم تكن انتخابات حماس قضية داخلية فحسب - بالرغم من أنها تعبر عن حالة حراك حمساوي خاص انشغلت بها قيادات الحركة وكوادرها - بل إنّ أنظار العالم والإقليم والاحتلال الصهيوني كما الفلسطينيون في كافة أماكن تواجدهم تابعوا مسار انتخابات حماس أولاً بأول ، منذ انتخابات المناطق الى انتخابات المحافظات الشورية والإدارية إلى انتخابات شورى قطاع غزة ومكتب سيأسى غزة الى انتخاب مسؤول المكتب السياسي في قطاع غزة وصولاً إلى انتخابات رئيس الحركة العام ... لأول مرة تكشف حماس مسار انتخاباتها بهذه الطريقة الإبداعية بالرغم من عدم الانكشاف التام فيما يحدث ويدور داخل أروقة الانتخابات نفسها واتجاه الناخبين .
لقد أعطت انتخابات حماس الداخلية صورة حضارية غيّرت نظرة الكثيرين حول تعاطى الإسلاميين للديمقراطية التي يتشدق بها المتغربون والتي لم تعد حكراً على أمريكا والغرب التي جاءت بحُكّام على رأس هذه الدول من المجرمين والمجانين والأفّاقين والساقطين وهم أنفسهم أبعد ما يكونون عن الديمقراطية في تعاملهم مع الآخر بل إنهم السبب الرئيسي لما وصلت إليه أحوال أمتنا العربية من تراجع ودمار وانتكاسات مستمرة في كافة مجالات الحياة من خلال الهيمنة ودعم وإسناد الحكّام الطغاة والمستبدين ... لقد تبين للجميع مدى الرُّقى الذى وصل إليه الإسلاميون الذين يتم اتهامهم دائماً بالجمود والعدمية وتقديس القائد وتحنيطه ، هذا الذى تعيشه أنظمةٌ سُلّطت على رقاب العباد ليبقوا على كرسي الحكم عشرات السنين وهم يسوقون شعوبهم كالقطيع ، وللأسف الشديد ان هناك الكثير من الأحزاب والتنظيمات العربية والفلسطينية تَتَبّع نفس الأسلوب الذى يمارسه حكام الوطن العربي وهم يسوقون أفراد الحزب أو التنظيم كالقطيع الذى يجب عليه ان يخضع للتعليمات وما يُملى عليه من مسؤوليه ويطيع أوامرهم وإن كانت فيها المعصية ... مضى على عمر حماس خمسٌ وثلاثون سنة تقريباً ، وهو فى عمر الحركات السياسية العربية والفلسطينية متواضع ، لكن بالمقارنة مثلت انتخابات حماس الأخيرة حالة ارتقاء متقدمة يمكن الاحتذاء بها اذا ارادت الحركات والتنظيمات والأحزاب أن تعيش الحيوية الدائمة والعنفوان التنظيمي فى الوقت الذى يجب ألّا يتم تهميش دور الشيوخ ( الكبار) عندما تتقدم الأجيال الجديدة والتى بحاجة دائمة إلى خبرة وتجارب الكبار ...
لا أحد ينكر حتى خصوم حماس السياسيين أن حماس اليوم وهى الحركة السياسية الفلسطينية ذات المرجعية الإسلامية قد اختلفت عن حماس الامس في علاقاتها مع الآخر وفى أدائها الوطني وإيمانها المطلق أنه بدون شراكة وطنية لا يمكن أن تستقيم الحالة السياسية الفلسطينية مع الحفاظ على المبادئ والثوابت التي انطلقت بها الحركة حول فلسطين والقضية الفلسطينية ... لست حمساوياً ولكن انتمائي الفلسطيني العربي الإسلامي وبعد دراسة التاريخ العربي و الإسلامي الحديث وما آلت إليه أحوال العرب والمسلمين من نكوص عن القيم والمفاهيم الراقية التي جاء بها الإسلام فيما استفاد منها الآخرون وتراجعنا نحن ، وتقدم بها المسلمون الأوائل وانتصروا فيما تأخر العالم العربي والإسلامي وأصابته الهزائم ، جعلني أقف أمام تجربة حماس الانتخابية الأخيرة وبالرغم من محدوديتها وتواضعها إلا أنها مثلت نموذجاً مُهِمّاً يزيدنا يقيناً أن العرب والمسلمين يستطيعون النهوض نحو دورة حضارية جديدة إذا تقدم المخلصون من النُخَب الفكرية والسياسية والاقتصادية والأكاديمية وفى كافة المجالات - وهم كُثر في عالمنا العربي والإسلامي - على شرط ان يمتلكوا إرادة التغيير.