هل باع الفلسطينيون أرضهم؟

الأحد 14 مارس 2021 01:35 م بتوقيت القدس المحتلة

هل باع الفلسطينيون أرضهم؟

بقلم الكاتب الصحفي: محمد أمين

دعيت إلى إحدى غرف "كلوب هاوس" صحبة عدد من الأصدقاء المثقفين والصحافيين والناشطين، وكان السؤال المطروح من قبل المنظمين هو: "هل باع الفلسطينيون أرضهم؟".

بطبيعة الحال، يهدف القائمون على الغرفة إلى تفنيد هذه الفرضية غير البريئة التي أطلقها بعض الذباب الإلكتروني، الذي يعمل في خدمة أنظمة حسمت أمرها لجهة التحالف مع تل أبيب، إلا أن طرح هذا السؤال بحد ذاته حتى في سياق تفنيده هو بتقديري نوع من لزوم ما لا يلزم، لأن مناقشته تعني أنه أمر يحتمل الرأي والرأي الآخر، فيما الأصح هو تجاهله تماما، وتجاهل المأزومين والمهزومين الذين يرددونه في سياق خدمة وتملق الأنظمة التي توظفهم.

تلك الأنظمة بدلا من أن تثقف الشباب والشابات، فإنها تدفعهم للعمل بوظيفة ذبابة إلكترونية لترديد مثل هذه الأسئلة التي تشكك في الرواية الفلسطينية والحق الفلسطيني

وقد كتبت سابقا أن تلك الأنظمة بدلا من أن تثقف الشباب والشابات، فإنها تدفعهم للعمل بوظيفة ذبابة إلكترونية لترديد مثل هذه الأسئلة التي تشكك في الرواية الفلسطينية والحق الفلسطيني، من أجل تبرير تحالفها مع دولة الاحتلال الإسرائيلي.

وعلى كل حال ولو أردنا نقاش هذا السؤال: هل باع الفلسطينيون أرضهم؟ دعونا نعود للتاريخ لمعرفة من الذي هُزم في مواجهة المليشيات الصهيونية، هل الفلسطينيون أم العرب؟ من الذي هُزم في حرب 1948 ونكسة 1967، الفلسطينيون أم العرب؟ فإذا كنا نريد أن نحاكم من سلّم فلسطين للصهاينة أو تسبب بتسليمها أو باعها، فإن التاريخ يقول لنا إن الدول العربية هي التي تسببت في ذلك. إذا يكون السؤال الأصح: هل باع العرب فلسطين؟

بطبيعة الحال، عندما نتحدث عن العرب لا نعني الشعوب، بل نعني تلك الأنظمة التي كانت وقت سقوط فلسطين وما زالت مرتهنة للخارج، فقبل مغادرة الاحتلال البريطاني والفرنسي أو غيرهما من الدول الإمبريالية التي كانت تحتل دولنا العربية، قامت تلك الدول بإيكال مهمة الحفاظ على مصالحها للنظم التي خلفتها.

عندما نتحدث عن العرب لا نعني الشعوب، بل نعني تلك الأنظمة التي كانت وقت سقوط فلسطين وما زالت مرتهنة للخارج

وتلك النظم ذاتها التي باعت فلسطين هي التي قتلت شعوبها عندما انتفضت مطالبة بالتغيير، فمن باع فلسطين ليس مستغربا منه أن يقتل أبناء جلدته، ومن يُمَوّل الاستيطان اليوم في الأرض المحتلة ليس مستبعدا منه أن يتحالف مع كيان الفصل العنصري، محاولا تبرير تلك الفعلة بأن "الفلسطينيين باعوا أرضهم"؟!

حدثني جدي رحمه الله أن القوات العربية التي جاءت "لقتال الصهاينة عام 1948" كان لها في الحقيقة مهمة أخرى، وهي تفريغ الأرض، وإجبار الفلسطينيين على المغادرة، وحتى أنها أطلقت الرصاص الحي تهديدا لمن يرفض المغادرة من الفلسطينيين. قالوا لهم: اخرجوا ولا تقاتلوا العصابات الصهيونية، ليتبين أن ذلك كان جزءا من مخطط لتفريغ فلسطين؛ استعدادا لتسهيل مهمة إقامة دولة الاحتلال، التي جاءت بمروية: أرض بلا شعب لشعب بلا أرض!

تفوق الصهاينة في هذه اللحظة من التاريخ، والعجز عن هزيمة مشروعهم لا يعني الاستسلام والتصهين، بل يتطلب ذلك عزيمة مضاعفة

هل باع الفلسطينيون مسرى الرسول الكريم ومهد السيد المسيح؟ هل باعوا أرضهم التي تزهر بالبرتقال وكروم العنب، ومطار القدس الدولي الذي تأسس فيها عام 1920، وموانئ حيفا ويافا، وأقدم وأكبر شجرة زيتون في العالم التي تحتضنها مدينة بيت لحم الفلسطينية، ويقدر عمرها بنحو خمسة آلاف سنة، ويغطي حجمها أكثر من 250 مترا مربعا، ويمتد ارتفاعها إلى نحو 13 مترا، وجذورها إلى نحو 25 مترا تحت الأرض؟ هل باعوا كل هذا ليتحولوا للاجئين يسكنون في المخيمات؟ هل باع الفلسطينيون أرضهم ليتشردوا في أصقاع الأرض؟ هل باع الفلسطينيون أرضهم ليأتي بعض حكام دول لم تكن موجودة على الخارطة عندما كان أطفال فلسطين يقاومون المحتل، ليروجوا (بالعبرية) أن الفلسطينيين باعوا أرضهم؟

إن تفوق الصهاينة في هذه اللحظة من التاريخ، والعجز عن هزيمة مشروعهم، لا يعني الاستسلام والتصهين، بل يتطلب ذلك عزيمة مضاعفة على الصمود واليقين بالانتصار، وهذا ما يفعله الفلسطينيون، على خلاف تلك الزمرة من "المتصهينين العرب".

لن يجيبكم الفلسطينيون عن ذلك السؤال المشبوه، بل شعوبكم هي من أجابت؛ لأنها أخبر الناس بكم.