نعم.. "الإسلام هو الحل"

السبت 20 مارس 2021 08:36 م بتوقيت القدس المحتلة

كان شعار "الإسلام هو الحل" أحد أبرز شعارات التيار الإسلامي خصوصاً في ثمانينيات القرن العشرين، وطرح التيار هذا الشعار بقوة وثقة بعد أن أصبح التيار الشعبي الأول في الكثير من بلدان العالم العربي والإسلامي، وأخذ يتقدم ليمارس دوره السياسي في بيئات سلطوية مستبدة، معظمها مغلق في وجهه، ومعظمها معادٍ أو مخاصم.

وتعرض هذا الشعار في العشرين سنة الماضية لهجوم شرس من الاتجاهات العلمانية واليسارية والليبرالية المختلفة، ومن الإعلام الغربي، ومن الإعلام العربي التابع للأنظمة الفاسدة والمستبدة.

غير أن اللافت للنظر أن "الإسلاميين" أنفسهم لم يعودوا يرفعونه، ولجأ بعضهم إلى تعريف اتجاهه أو حزبه أو حركته بصفات مرتبطة بشعارات عامة كالحرية والعدالة والبناء والتنمية والدستور، أو تعريف نفسه بصفات ذات طبيعة علمانية مغلّفة بغطاء إسلامي، كأن يقول إن جماعته وطنية، ديمقراطية، قومية، عربية.. "ذات مرجعية إسلامية". وكأنه يقدم بين يدي التزامه الإسلامي بما يطمئن الآخرين تجاهه، وأنه يلتقي مع الآخرين في معاييرهم ومنطلقاتهم، وأن "ديكوره" الإسلامي ليس ثورياً ولا تغييرياً، وإنما مستعد للتموضع والتعايش تحت سقفهم.

اللافت للنظر أن "الإسلاميين" أنفسهم لم يعودوا يرفعونه، ولجأ بعضهم إلى تعريف اتجاهه أو حزبه أو حركته بصفات مرتبطة بشعارات عامة

لا يناقش هذا المقال صحة مضمون الشعار، فكاتب السطور يؤمن إيماناً راسخاً أن الإسلام هو دين هداية ورحمة للعالمين، وأنه منهج شامل للحياة، وأنه المخرج لما تعانيه البشرية من شقاء وأسقام، وأن به سعادتي الدنيا والآخرة. غير أن المقال يناقش جانباً محدداً مرتبطاً باستخدام الشعار نفسه، وما حدث عليه من هجوم، وما تبعه من تراجع أو تكييف.

* * *

الذين هاجموا شعار "الإسلام هو الحل" قالوا إنه شعار فضفاض، وحمَّال أوجه، ولا يقدم برنامجاً واضحاً، وأن الإسلاميين، وخصوصاً جماعة الإخوان، يستخدمونه غطاءً لتطلعاتهم السياسية، ولدغدغة عواطف الجماهير.

والسؤال هنا ابتداء هل الشعار هو كلمات قليلة جداً ذات دلالات عامة، أم هو برنامج من صفحات أو كتب أو مجلدات؟! إن أبرز ما في الشعارات قلة الكلمات وسهولة الفهم وقوة الإلهام والتحفيز الذي توفره لأكبر قاعدة عريضة من الجماهير. فإن كان الشعار كلمات محدودة فلا ينبغي أن نتوقع أكثر من كلمات عامة تُعبِّر عن الهوية والمسار، وعن القاعدة التي يستند إليها البرنامج. وشعار "الإسلام هو الحل" يفي بهذا الغرض تماماً؛ وهو ينسجم مع عقول وقلوب وتراث أبناء المنطقة وشعوبها. وهو ذو قدرة هائلة على الإلهام وتحفيز الجماهير. وبالتالي، تنطبق على هذا الشعار أفضل ما في الشعارات من خصائص، ولعل هذا كان سرّ الهجوم الشرس عليه.

شعار "الإسلام هو الحل" يفي بهذا الغرض تماماً؛ وهو ينسجم مع عقول وقلوب وتراث أبناء المنطقة وشعوبها. وهو ذو قدرة هائلة على الإلهام وتحفيز الجماهير

والسؤال الثاني ألا تقدم الأحزاب والمتنافسون في الانتخابات في دول العالم المختلفة شعارات فضفاضة، حمَّالة أوجه، في محاولة لتقديم رؤيتها وتجميع الناس حولها وتحفيز جماهيرها. ألم يستخدم باراك أوباما في حملته الانتخابية كلمة واحدة هي "تغيير Change" التي ألهمت عشرات الملايين من الأمريكيين، مع أنها في ذاتها أقل قدرة عن التعبير عن برنامج محدد أو مسار أيديولوجي معين؟ كما رفع ترامب "اجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى"، وهو أفقر من أن يعبّر عن مضمون حضاري أو برنامج ذي دلالات إنسانية، ولكنه يدغدغ عواطف الملايين بطريقة "شعبوية".

وفي إحدى البلدان العربية التي هاجمت الإسلاميين بشراسة وهاجمت شعاراتهم، كان شعار الحملة الداعمة للرئيس "خلينا نبنيها"، حيث جاء خاوياً من الأساس الفكري للبناء، متجاوباً فقط مع فكرة البناء التي يتحدث عنها الجميع، ولا يعنيه إن كان ذلك البناء مستجيباً لعقائد الأمة وتراثها، ولا إن كان سيتم تحت "بساطير العسكر" وأعين المخابرات.

وليس ثمة شعار مطروح لحزب أو تيار أو زعيم إلا ويعتريه النقص والقصور، لأننا لا يمكن أن نطلب من الشعار أكثر مما يحتمل. فإن كان ذلك منطبقاً على كل الشعارات، فلمَ يتم استهداف شعار "الإسلام هو الحل" ومطالبته بما لا يحتمل؟

* * *

بعض الذين اعترضوا على شعار "الإسلام هو الحل" قالوا إنه يتجاهل الأديان الأخرى. ربما يطول الرد على هكذا نقاش، ولكننا نشير، بما يتناسب مع حجم المقال، إلى أن الإسلام جاء للبشرية كافة و"رحمة للعالمين"، وهو في تعاليمه يستوعب كافة أتباع الأديان تحت مظلته الإنسانية الحضارية، ويحفظ لهم حريتهم الدينية الكاملة، وشراكتهم في بناء الدولة والمؤسسات وإسهامهم الحضاري. من ناحية ثانية، فمن الطبيعي أن يكون الشعار معبراً عن هوية الأغلبية الساحقة في منطقتنا العربية (والكثير من البلدان الإسلامية) التي تزيد نسبة مسلميها عن 95 في المئة، فهو أكبر هوية يجتمع عليها الناس.

من الطبيعي أن يكون الشعار معبراً عن هوية الأغلبية الساحقة في منطقتنا العربية (والكثير من البلدان الإسلامية) التي تزيد نسبة مسلميها عن 95 في المئة، فهو أكبر هوية يجتمع عليها الناس

ولعل دعاة القومية العربية أنفسهم يدركون أن نسبة العرب في المنطقة العربية أقل من نسبة المسلمين، وأنه باستخدام المنطق نفسه، يتم استثناء الأكراد والأمازيغ والسود وغيرهم. غير أنه إذا ما أُخذت النظرة الإيجابية للتعامل مع العربية باعتبارها اللسان، وباعتبارها دوراً حضارياً استيعابياً، وليس سلوكا تمييزياً ولا فوقياً، لربما كان أفضل وأجدى. أما دعاة الليبرالية أو الاشتراكية أو العلمانية (وكذلك دعاة القومية)، فلعلهم يرون أن الجماهير التي تجتمع على الإسلام هي أوسع بكثير مقارنة بمن يجتمع على دعاواهم.

والإسلام الذي كان الهوية الجامعة للأمة مئات السنين، قاد نهضة حضارية سادت العالم، وحَكَمت شعوباً وأدياناً وأقليات مختلفة من جنوب فرنسا وحتى الصين، تمتعت بالحرية والعدالة تحت ظله. ولو أن الإسلام وحكامه عاملوا تلك الأقليات والأديان كما كان أتباع المسيحية في أوروبا مثلاً يعاملون غيرهم في تلك العصور؛ لاختفت الأقليات من مناطقنا. وما محاكم التفتيش في إسبانيا، واضطهادات البروتستانت (الهوغونوت) في فرنسا، بالإضافة إلى اضطهاد اليهود.. عنكم ببعيد.

* * *

ثمة بعض المعترضين الذين يقولون إن للإسلام تفسيرات ومذاهب مختلفة، وإن الناس سيتوهون بينها! ونحن نقول نعم، ولكن أليس لكل الاتجاهات تفسيرات ومذاهب مختلفة؟! أليست هناك عشرات المدارس الليبرالية والعلمانية وعشرات المدارس اليسارية والاشتراكية والشيوعية، وعشرات المدارس القومية والوطنية؟ فلماذا نستغرب على دين عظيم كالإسلام له أكثر من مليار و800 مليون من الأتباع، ولديه رصيد أكثر من 1400 عاماً من التفاعل الحضاري مع الواقع والحياة والظروف والبيئات والشعوب المختلفة، أن يكون فيه مجتهدون ومدارس واتجاهات.. دون إخلال بالجوهر والأصول؟ وكما أن هناك ممارسات سلبية لدى كل الاتجاهات ولدى اتباع كل الديانات، فهناك في وسط المسلمين أيضاً ممارسات خاطئة وأدعياء ومنافقون وفاسدون.. لا يحطُّ وجودهم من قدر الدين نفسه.

هل علمانيات وديمقراطيات أمريكا وأوروبا كعلمانيات وديمقراطيات عالمنا العربي؟! وهل شيوعية الاتحاد السوفييتي "الستالينية" كانت كشيوعية الصين "الماوية"؟! أم كان بينهما ما صنع الحدَّاد؟! حتى شيوعية لينين نفسها خالفت وتجاوزت شيوعية أبي الشيوعية نفسها، كارل ماركس!!

وهل قومية عبد الناصر كانت كقومية حزب البعث؟! وهل "بعثية" العراق في عهد صدام حسين كـ"بعثية" سورية في عهد حافظ الأسد مثلاً؟! أم أن شعارات التخوين والخصام هي التي كانت سائدة بين الطرفين؟ ألم يختلف مفكرو القومية العربية الكبار، حتى في مجرد تحديد معالم الهوية القومية وتطبيقاتها الرئيسية؟

الاختلاف في الرؤى والتفاسير أمر طبيعي، لكن التعبير في منطقتنا عن الحالة الجمعية للأمة وتراثها وحضارتها، بالاستناد إلى هويتها ودينها، هو الأقدر على لم شملها وعلاج مشاكلها واستنهاض طاقاتها

إن الاختلاف في الرؤى والتفاسير أمر طبيعي، لكن التعبير في منطقتنا عن الحالة الجمعية للأمة وتراثها وحضارتها، بالاستناد إلى هويتها ودينها، هو الأقدر على لم شملها وعلاج مشاكلها واستنهاض طاقاتها.

* * *

يجدر التنبّه إلى أنّ الإسلام هو الإسلام، لا يحتاج أدوات تجميل، أو إضافات أيديولوجية بظن أن هذا يسهم في تسويقه، بينما هو في الحقيقة يضعف من قيمته ويحط من قدره. فلا حاجة لتعريفه كدين ديمقراطي أو اشتراكي أو ليبرالي. وعلى الدعاة لهذا الدين أن يقدموه كما هو، متميزاً عن غيره، بما فيه من شمول وجمال وانفتاح ورحمة واعتدال واستيعاب للآخر، وعدل وحرية وانسجام مع الخالق ومع النفس ومع الكون.

* * *

من ناحية أخرى، فليس كل من رفع شعار "الإسلام هو الحل" أصبح معصوماً من الخطأ، لأن مجرد اختيار طريقه الصحيح لا يعني أن من اختاره صار مؤهلاً للنجاح، فثمة منافقون، وثمة جهلة، وثمة متطلعون لدنيا يصيبونها.. ممن يرفعون هكذا شعارات، تماماً كما فعل أصحاب "مسجد الضرار" وغيرهم. إذ لا بدّ أن يتم الحكم على أدائه من خلال تحقيقه شروط "الاستخلاف"، ومن خلال قدرته على تنزيل تعاليم الإسلام على فقه الواقع، وفقه الأولويات والنوازل، وتقديم برامج فعالة للارتقاء النهضوي والحضاري. ومن هنا تكون مراقبة أدائه ومحاسبته، وربما تغييره واستبداله بناء على منجزاته، وليس لمجرد ادّعاءاته أو تدينه الشخصي أو التزامه السلوكي.

ليس كل من رفع شعار "الإسلام هو الحل" أصبح معصوماً من الخطأ، لأن مجرد اختيار طريقه الصحيح لا يعني أن من اختاره صار مؤهلاً للنجاح، فثمة منافقون، وثمة جهلة، وثمة متطلعون لدنيا يصيبونها.. ممن يرفعون هكذا شعارات

ويخطئ البعض (ومنهم إسلاميون) في فهم أن شعار "الإسلام هو الحل" يعني أن مشاكل الناس ستُحل بين ليلة وضحاها، وسينعمون بالرفاهية في اليوم التالي للحكم. والذين يقدمون هذا الشعار باعتباره برنامجاً "اقتصادياً" مخطئون، إذ إن المشروع الإسلامي في جوهره هو إعادة صياغة لـ"الإنسان" ليكون مؤهلاً للاستخلاف في الأرض، وهو يفجّر فيه معاني العزة والكرامة والحرية، كما يفجر فيه عناصر الإبداع، ويحرره من دواعي الخوف والقلق على الرزق أو من الموت. ولا تتحقق سنن النصر والتمكين إلا مسبوقة ومقرونة بسنن الابتلاء، لأن صناعة الإنسان الذي تصهره التحديات والابتلاءات عادة ما تكون سابقة لجني الثمار.

وفي هذا المعنى آيات وأحاديث كثيرة، كقوله تعالى: "أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ"، وقوله: "وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ". وقد يقتضي ذلك سنوات من إعادة تشكيل واستنهاض البنى الاجتماعية والاقتصادية والعلمية والإمكانات البشرية؛ كما قد يقتضي مواجهة أعداء خارجيين يسعون لقطع الطريق على نهضة الأمة، فيحاولون إغراقها في الفتن والحروب، أو يخنقونها بالحصار أو يشوهون منهجها وقيادتها؛ كما يقتضي مواجهة المنافقين و"الطابور الخامس".

وقد تكون ثمة "أعوام رمادة" في الطريق، وقد يعني ذلك كلّه ولادة "عسيرة"، ولكنه ممر إجباري لا بدّ منه لأي حالة نهضوية وحدوية حقيقية. وتبقى هي أقل تكلفة وأجدى وأقصر طريقاً لمعالجة حالة الضعف والتشرذم والتخلف التي تعيشها بيئاتنا وأمتنا.

* * *

"الإسلاميون" بشر يخطئون ويصيبون، ويتعثرون، وتجب محاسبتهم على أدائهم. غير أن التعثر في طريق صحيح أفضل ألف مرة من تحقيق بعض النجاحات في طريق خاطئ نتيجته الكلية كارثية، مهما حفته من مغريات. وفشلُ المسلمين يُصحَّح من خلال عودتهم لدينهم، وحسن استخلاصهم لتراثهم وتجاربهم، ومن خلال فقه الواقع، وإجادة التفاعل الحضاري، وليس بالتخلي عن الجوهر "الإسلام" منهجاً للحياة.