في رحيل عمر البرغوثي أبو عاصف

السبت 27 مارس 2021 07:42 م بتوقيت القدس المحتلة

في رحيل عمر البرغوثي أبو عاصف

بقلم المحامي جواد بولس

قبل يومين رحل الأسير المحرر عمر البرغوثي، أبو عاصف، إثر اصابته بفايروس كورونا. لقد نعوه في فلسطين كوطني عتيق وكقائد بارز في حركة حماس؛ أما أنا فلقد عرفته، منذ سنوات طوال، كمناضل من سلالات النور عنيد، وتشرّفت بالدفاع عنه أمام محاكم الاحتلال مرات كثيرة، كانت آخرها قبل شهور قليلة حين حكم عليه بالسجن لمدة تسعة شهور انتهت في مطلع هذا العام. تختزل قصة حياة هذا الفلاح النقي، ابن قرية كوبر، مأساة أهل فلسطين تحت نير الاحتلال، وذلك بكل تفاصيل البدايات وخواتيمها، الوجع والإصرار، الأمل والتضحيات، البساطة والوفاء، التيه والايمان.

يملأني الحزن والأسف على فقدان "العمر"، انسان كان يسكب المحبة والتواضع، مع طلوع كل فجر، في عروق الوطن الذي قاتل من أجله، ويزرع أنفاس الحرية في مسامات الأرض التي عشقها والتي تحتضنه الأن جسدًا بفرح عظيم.

كم تمنيتَ، يا أيها الفلسطيني الحر، موتًا آخر، لكنه القدر يتجلى دومًا، حين يعجز أمام الأُباة الكبار، بحكمته الساخرة...

* سأتذكر، يا ابن البرق، حين صرختُ باسمك في وجه قضاة المحكمة العليا الاسرائيلية وسألتهم لماذا " تخشون عمر وهو يخشى أن يكره يومًا غاصبه وقامع شعبه، أمثاله يجب أن يكونوا طلقاء، انهم حرّاس الحياة، أوقفوا هذا النزيف، وامنعوا هذا التمادي، لا تكونوا ستائر للقمع، ولا أغلفة لفيروسات تفتك في جسد هذه الدولة.." من مقالتي: "ظلم في العدل العليا " 2015/2/12

* وسأذكر، يا أخا السنابل، حديثك لي يوم زرتك في سجن مجدو ووجدتك تحلم بغد كله قمح وأمل؛ فكتبتُ، من وحي تلك الزيارة، مقالتي: "حين يحلم عمر بالحصاد" 2014/10/30، وقلت فيها :

" يفجّر دماغي، يملأني غضبًا وأخشى أن يصير هذا حقدًا بداخلي وعند أولادي". يفاجئني "عمر" بحزم وغضب، لم ألمحهما عنده من قبل، على الرغم من أنني أعرفه وأدافع عنه منذ سنوات طويلة.

أحضره سجان بدا بعمر حفيده، فأبو عاصف، بلغ عامه الثاني والستين ويقوم على عائلة من أربعة أولاد وبنتين وله عشرة أحفاد.

جلس قبالتي، وضع كفّه على الزجاج الكثيف الفاصل بيننا، فوضعت كفي على كفه تحيّةً وشوقًا. كان شعره على قلته أشعثَ، يدلُّ على نار في صدره، وحمرة قانية تملّكت كل وجهه العريض، حاول أن يبتسم، فانفرجت شفتاه على جرح وبقايا فرح حبيس، لبس قميص السجن البني وبنطالًا بنفس اللون. مع أول جملة وصلتني منه في سماعة الهاتف، عرفت أن عمر البرغوثي الذي أمامي غير الذي عرفته من قبل. كان هادرًا كسيل، وحزينًا كحصان أصيل.

"هل تعرف ما يذبحني يا أستاذ"؟ قال بصوت صاف كدمعة، "لقد قرّرت، بعد الافراج الأخير عني، أن أعود إلى أرضي، فحرثتها ورعيتها وزرعتها، بكل ما تتصوّر، لم أنتظر موسم الحصاد، فحصدتها وكنت على ميعاد لدراسة الحصيد. في فجر ذلك اليوم جاؤوا واعتقلوني، لأربعة شهور إداريًا وقاموا بالأمس بتمديدها لأربعة جديدة". توقف قليلًا، نظرت إلى وجهه العاصف فخفت أن أبكي، سألته هل سمع رسائل "ام عاصف" مذاعة على أثير محطتين، غلبه الشوق، تبسّم، وقال، بشبه وشوشة: سمعتها مرّة واحدة، وحرّك يده التي كانت ضخمة كيد فلاح، قلبها نصف قلبه، وهزّها بعذوبة تشبه الأمنية أو إشارة شوق لمن يحب."

فوداعًا يا صاحب القلب الكبير...

المصدر : شهاب