القدس موعدنا .. لماذا أحدثت هذا الحراك؟

الإثنين 29 مارس 2021 10:19 م بتوقيت القدس المحتلة

بقلم/ أيمن تيسير دلول

كاتب وإعلامي فلسطيني

التاسع والعشرين من مارس يوماً ليس كالذي سبقه، صحيح أن لجنة الانتخابات المركزية قد فتحت منذ عدة أيام باب تسجيل القوائم بغرض المشاركة في التنافس على انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني "المحطة الأولى لانتخابات المجلس الوطني"، وأصبحنا في الأيام الأخيرة وكادت تنتهي المدة دون أن نشعر بأي تغيير يجري في الساحة الفلسطينية، البعض تمكن من تسجيل قائمته لكن مضى الأمر وكأن شيئاً لم يحدث.

الاختلاف كان في هذا اليوم، إعلاميون ينتظرون يترقبون، ونشطاء إعلام جديد يطلقون الوسوم المختلفة، وقيادات سياسية تتابع وتراقب، و وسائل إعلام تنتظر اقتناص صورة هنا أو لقطةٍ هناك، والسبب أنه توارد لأسماعهم أن حركة المقاومة الإسلامية "حماس" قررت في هذا اليوم إيداع قائمتها للتنافس على انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني 2021م.

في هذا اليوم تقدم عدد من القوائم للتنافس وفيها قوائم محترمة ومرشحون من الكفاءات الفلسطينية، لكن التركيز الأكثر حصدته قائمة "القدس موعدنا" التي أطلقت عليها هذا الاسم حركة "حماس"، وأصبح الوسم الذي أطلقه النشطاء بخصوص الحديث عن القائمة هو الأول في قائمة الوسوم الأكثر تداولاً فلسطينياً على مواقع التواصل الاجتماعي، بل إن خبر تسجيل القائمة طاف على المئات من شاشات الفضائيات ولم يغب عن أخبار وكالات الأنباء الدولية، فما هو السبب؟

ما قدمته "حماس" على مدار سنوات هو ما جعلها محط متابعة وترقب لخطواتها السياسية المدروسة، فقد وجهت خلال السنوات الخمسة الماضية ضربات سياسية مختلفة تمكنت من خلالها من الإفلات من فك الكماشة التي عملت أطراف دولية وعربية وفلسطينية على محاولة خنقها من خلاله، ونجحت بتحييد الكثير من الخصوم هذا إن لم تجعلهم في صفها أصلاً، ونجحت من خلالها في جعل أطراف مختلفة تتخوف من خطواتها المتتابعة، وما ترنو إليه في المستقبل.

كان الرهان على أن "حماس" فشلت في إدارتها لقطاع غزة ولن تجرؤ على خوض أية انتخابات مقبلة، لكنها أعلنت موافقتها، ولكثرة تنازلاتها باتت محل انتقاد وأبدى المحبون لخيار المقاومة مخاوفهم الشديدة من مواصلتها السير في طريقٍ أرادوا لها الولوج إليه وكان بدون مخرج، لكن الحركة تمكنت من إيجاد المخارج مع نهاية كل زقاقٍ أوصلوها إليه، وهذا ما يتحقق حالياً من خلال خوضها لمعركة الانتخابات.

عملت جاهدةً "حماس" لتخوض الانتخابات التشريعية ضمن قائمة وطنية كخطوةٍ متقدمةٍ نحو إنهاء الانقسام وإعادة ترتيب وبناء المؤسسات الرسمية الفلسطينية ممثلة في المجلس التشريعي والمجلس الوطني وغيرها من المؤسسات، لكن البعض الفلسطيني اعتقد أن استماتتها في ذلك هو دليلُ ضعفٍ لها وخشية من نتائج الانتخابات.

وفي كل يوم من أيام التسجيل للقوائم كان خصوم "حماس" تزداد النشوة عندهم بينما "حماس" لم تسجل قائمتها، وبدأوا بحملات التشويه لها، لكنها احتفظت بضربتها الأولى التي احتفظت بها للأيام الأخيرة من التسجيل، فتقدمت بقائمة أربكت حسابات كل الأطراف، وجاءت كاملة بـ 132 عضو ثلثهم من النساء وثلثهم من الشباب وفيهم ممثلون عن الجرحى والشهداء والأسرى، قائمة فيها القدس في المقدمة وبأكثر من مرشح، وتشتمل على مرشحين من عوائل كبيرة وأصحاب الشهادات العليا وغيرها الكثير، باختصار فقد قدمت "حماس" قائمة فيها كل معايير النجاح والمنافسة لانتزاع صدارة القائمة الأكبر في المجلس التشريعي الفلسطيني.

لن تتوقف ارتدادات ما أحدثته هذه القائمة "القدس موعدنا" عند هذه المحطة، بل إن البعض بدأ يتحدث عن رفضه إجراء الانتخابات بدون القدس وحمل في ذلك لواء "الدفاع عن القدس" رغم أنه أول من خذلها وفرط بها منذ سنوات.

من الممكن أن تدرج غالبية القوائم الشرائح المختلفة كالقدس والأسرى وذوي الاحتياجات الخاصة ضمن مرشحيها، ليس هذا المهم، بل المهم من جعل من تلك الشرائح في دائرة اهتمامه قبل الانتخابات ولم يتقرب لها لمصالح لأجل المقعد، وأحسب أن من نجحت في ذلك حركة "حماس" فالقدس معروفٌ جهودها بشأنها والبحث عن دعمها، والأسرى لا أحد يزاود عليها بشأنهم فهي التي تحملت الكثير فأسرت جنود الاحتلال وبادلت بعضهم بمئات الأسرى سابقاً وتستعد للمزيد، أما الجرحى والشرائح المجتمعية الأخرى فهي تشهد على ما قدمته لهم سابقاً، فجاء أوان الحصاد.

أخيراً، كان البعض يراهن على أن "حماس" لن تجد من يترشح على قوائمها في الضفة الغربية والقدس نتيجة ملاحقات السلطة الفلسطينية وتهديدات الاحتلال الصهيوني المعروفة للجميع، لكن جاءت وفاة الشيخ أبو عاصف البرغوثي وحجم المشاركة في جنازته لتوجه لهم الصفعة الأولى، بينما الصفعة الثانية جاءت بمشاركة شخصيات من الضفة "وعلى عينك يا تاجر" بل لا أبالغ إن قلت أن المئات من أبناء "حماس" وقادتها في الضفة أبدوا استعدادهم للترشح كوحدة استشهاديين وليكن ما يكون بعدهما، فالمهم عندهم أن ينجح مشروع "حماس" الذي رسمته بدماء شهداءها وعذابات أسراها وآلام جرحاها ومصابيها.

انتهت قيادة "حماس" من خطوة مهمة وهي تجلس الآن ليس لتخطيط الضربة الثانية وإنما لاختيار التوقيت المناسب لتوجيهها لخصومها وأعدائها على حدٍ سواء، فمسألة التخطيط عندها انتهت منذ فترة طويلة، وبدل السيناريو لكل خطوة فهي تمتلك سيناريوهات متعددة تختار كل واحدٍ منها بما يناسب الوضع العام ومتغيرات الميدان.