القدوة.. وحكاية الدون كيشوت

السبت 03 أبريل 2021 09:28 ص بتوقيت القدس المحتلة

ساد العصر التنويري الأوروبي محاولات حثيثة لصياغة أفكار ووعي جديد للفهم الإنساني سعت لاقتحام حصون هذا الكون ومعرفة أسراره، وكان الفيلسوف الشهير رينيه ديكارت يساهم في صياغة تصوره الخاص قائلًا "بأنني ما دمت أفكر فأنا موجود"، مبرهنًا بأن العقل والوعي هما أساس هذا الوجود.

وعلى الوجه الآخر كان الفيلسوف جون لوك يستعد للرد على أطروحة الفيلسوف الفرنسي ديكارت، منطلِقًا من منطق أنه لا خلاف على أن العقل هو القادر على الوصول إلى الحقائق، لكنه يختلف معه في المنهج الأصوب للوصول إلى هذه الحقيقة: هل الاستقرائي كما يعتقد جون لوك، أم الاستنباطي كما يذهب ديكارت؟

وفي سياق مختلف ذهب الروائي الإسباني ميخائيل دي سرفانتس إلى بناء شخصية "غير عقلانية" تجسِّد الوهم والخيال الراسخ في قناعات البعض بعيدًا عن مواجهة الحقيقة، وقد أثمرت الجهود الفكرية والمعرفية لدى هذا الروائي الشهير إلى ولادة شخصية الفارس دون كيشوت.

وقد كان الغرض من ولادة هذه الشخصية تكليفها بأداء دور بطولي دون أن تكون لديها القدرة على الفروسية؛ لتجسد الفارق بين الحقيقة والخيال، الراسخ في أذهان البعض، فالفارس دون كيشوت رجل ضعيف زاحف إلى سن الخمسين، مهووسًا بالفروسية لدرجة أنه أصبح يعدُّ نفسه فارسًا حقيقيًّا تخشاه الفرسان ويمكن أن يحقق انتصارات غير مسبوقة.

ففي الحقيقة شخصية (دون كيشوت) هي شخصية وهمية لرجل إسباني يدعى "ألونسو كيخانو" عاصر القرن السادس عشر، والذي كان مولعًا بقراءة كتب الفروسية وحكايات الأبطال حتى غرق في بحر من الخيال أفقده صوابه لتظهر لنا هذه الشخصية التي تورطت في معارك خاسرة وهي تحارب الوهم.

إلا أن هذا الفارس الوهمي وفي غمرة جنونه تعهد باستعادة المجد الضائع وأراد أن يسطر ملاحم كبرى كما كان يفعل الفرسان الجوالة، فلم يكن يطيق الانتظار للحظة، وهو متحمس للفوز والدخول في ميادين النزال، حتى لبس درعه العتيق، وحمل سلاحه المتهالك، وامتطى حصانه العاجز المليء بالأمراض والأوجاع، والذي يُرى عظمه من وراء لحمه، واتخذ له حبيبة كي يهدي لها انتصاراته الساحقة المرتقبة.

ولم يغفل أيضًا عن اختيار مرافق له من الفلاحين الضعفاء وقد رافقه الرجل بعد أن وعده بأن يكون ملكًا أو حاكمًا على إحدى القرى أو الجزر التي سيحررها عما قريب، ومضى الفارس دون كيشوت يتحرك في القرى والجزر يبحث عن معارك يخوضها، حتى تعارك مع طواحين الهواء والتي توهم أنها شياطين تنشر الشرور في هذا العالم.

والطريف أن دون كيشوت غرس رمحه فيها حتى علق فرفعته عاليًا في الهواء ثم طرحته أرضًا حتى تكسرت عظامه، وبقي على هذه الحالة يعرض نفسه للمخاطر والإصابات دون أن يتراجع أو حتى أن يخوض معركة مع فارس حقيقي.

وفي النهاية أصبح دون كيشوت طريح الفراش، ومرض مرضًا شديدًا جعله يستفيق من حالة الجنون ويصرخ قائلًا لقد كنت دون كيشوت وعدت إلى صوابي الآن أنا ألونسو كيخانو.

ما أشبه ألونسو كيخانو(دون كيشوت) بشخصية ناصر القدوة الرجل الزاحف إلى سن السبعين والذي سقطت حواجبه على عيونه، وخارت قواه الجسدية، وغاب ثقله السياسي، وهو يقدِّم مشروعًا يقضي بتحرير غزة أو استعادتها من قبضة الإسلام السياسي، كما يعتقد الفارس الفتحاوي الملهم والذي فشل في إقناع قيادة ومفاصل حركة فتح ليكون أحد أبرز خياراتها في قائمتها الرسمية.

وقد انتهى به المقام مطرودًا مفصولًا من هذه الحركة التي يستعطف أنصارها اليوم ليكونوا في جيش الناخبين لقائمته، فالرجل يسير على وقع هذه الرواية دون أن يخطئ الطريق عادًّا نفسه بالمنقذ لحركة فتح وتكويناتها وتناقضاتها الداخلية، لكنه لا يدري ما ينتظره في هذه الجولة من نتائج وخيمة قد تطيح بمستقبله السياسي، وتقضي على حلم من تورط في قائمته.

فالتصريحات الأخيرة لم تكن كاشفة أو فاضحة لأنه يحمل مشروعًا معاكسًا تمامًا للمشروع الوطني المقاوم، ويستجدي التدخل الأجنبي لمساندته في الوصول إلى السلطة، ويتخيل أنه الأقدر على قيادة هذه الحركة (فتح) ويمكنه معالجة الأزمات الفلسطينية بطريقته الخاصة، دون أن يكون في القرار الفلسطيني أي شركاء يحملون التوجُّه الإسلامي أو يؤمنون صراحةً بأي نهج مقاوم.