الإسلام السياسي والهواجس العلمانية

الأحد 04 أبريل 2021 10:55 ص بتوقيت القدس المحتلة

استخدم مصطلح الإسلام السياسي عادة للدلالة على الحركات الإسلامية التي تمارس العمل السياسي، وذلك لتميزها عن الحركات الصوفية أو السلفية (العلمية) أو الدعوية، وغالبا ما اتهمت هذه الحركات من قبل الأوساط العلمانية بأنها لا تعترف بفكرة الدولة الوطنية، لكونها تعد الإسلام كدين هو الاطار الجامع للشعوب والأمم التي تؤمن به، وليس الوطن كرقعة جغرافية تعيش عليها أمة معينة أو شعب متعدد الأعراق، وقد انتقد العلمانيون الحركات الإسلامية من هذا الجانب آخذين عليها أنها تعد أي مسلم على وجه الأرض أقرب اليها من المواطن الذي يختلف في عقيدته عن عقيدة الإسلام، وذلك من وجهة نظرهم يفرغ قضية الوطن من محتواها، ويجعل من الوطن مجرد قطعة أرض تستخدم لصالح من يعيش فوقها، ولا تشكل أي رابط يحظى بالقداسة أو الكرامة التي يحظى بها الرابط الديني، ولعل هذه المسالة هي التي دفعت بعض العلمانيين لاتهام الحركات الإسلامية بعدم الولاء للوطن، وبالتالي لا شرعية وطنية لها وحاربت وجودها في الحياة السياسية، كما اتهمت الحركات الإسلامية بأنها لا تؤمن بالديمقراطية وأنها تستخدم الديمقراطية أداة للوصول للحكم ولمرة واحد فقط، وعلى الرغم من كل ما سبق من (اتهامات) باطلة للحركات الإسلامية وكل محاولات التشويه والشيطنة التي مورست ضدها، فإنها مازالت تحظى بثقة الشعوب العربية والاسلامية وتتصدر في معظم الأوقات نتائج الانتخابات في مجالس الطلاب والنقابات والبرلمانات وذلك لإيمان المواطن العربي أن الحركات الإسلامية  بفكرها الوسطى المعتدل مثلت نموذج يحتذي في الوطنية والنزاهة والبراعة الاقتصادية والإدارية والسياسية.

ويبدو أن معاداة الحركات الإسلامية من العلمانيين والليبراليين قد أصبحت ظاهرة مرضية أكثر منها اختلاف في الرأي السياسي أو المعتقد الأيديولوجي، ويظهر ذلك جليا في تصريحات أو كتابات هؤلاء الذين يسمون أنفسهم (بالنخب المثقفة) التي صدعت رؤوسنا كثيرا وطويلا بمبادئ حرية الرأي والتعبير وحرية الفكر، تلك المبادئ التي لم تصنها ولم تعمل بها سوى الحركات الإسلامية حينما وصلت الى سدة الحكم في حين أهدرتها وداستها تلك النخب حفاظا على مصالح شخصية أو حزبية ضيقة.

معاداة العلمانيين وبعض الليبراليين للإسلاميين على ما أطن ناتجة عن الشعور بالضعف والنقص أمام الفكر الإسلامي الوسطى الذي يهيمن دائما على افئدة شعوب المنطقة من كافة الشرائح، الامر الذي جعل الأفكار الأخرى، وعلى وجه الخصوص العلمانية والليبرالية التي كان معتنقوها يعتقدون أنها الأفكار التي يجب أن تسود، وانها الأفكار التي تتوسط الافكار اليسارية واليمينية وفق توصيفهم وعليه سيكون لها التأثير الأكبر في المجتمعات أو يجب أن يكون، ولكن أمام الهزائم المتوالية لهذا الأفكار أمما الفكر الإسلامي الوسطي منذ أواسط السبعينات وحتى الآن لم تستطع الحركات الليبرالية والعلمانية مواجهة الفكر الاسلامي الوسطى بالحجة والمنطق، فلجات إلي إلصاق تهم الإرهاب والفاشية والظلامية بالحركات الإسلامية، وذلك كوسيلة لفض الشعوب عن الالتفاف حول هذه الحركات، الغريب في الحركات العلمانية انها تدعو الى حرية التعبير والمعتقد أيما كان هذا التعبير وكيفما كان هذا المعتقد، فمثلاً لا مشكلة لدي الأوساط العلمانية في السماح لعبدة الشيطان مثلاً من ممارسة طقوسهم ونشر أفكارهم ببين أفراد المجتمع، ويعدون هذا الأمر من حرية الفكر والتعبير والمعتقد، ولا بأس لديهم في السماح للمثليين الجنسيين من ممارسة شذوذهم والدعوة إليه في المجتمعات العربية والإسلامية ذات الطبيعة المحافظة، ويعدون ذلك أيضا من الحرية الشخصية للمواطن، وكذلك لا بأس لديهم في ممارسة الرذائل كافة من قبل بعض المنحرفين ويعدون ذلك حقاً لمن يمارسه، أما عندما يتعلق الأمر بالحركات الإسلامية فنجدهم يتنكرون لكل مبادئهم، فلا حرية رأي ولا حرية فكر ولا حرية معتقد، ويبدؤون بإطلاق الأوصاف وإلصاق التهم، بل هم على استعداد كما اثبتت التجربة لإهدار الحياة الديمقراطية في سبيل منع الحركات الإسلامية من ممارسة حقها في العمل السياسي من خلال الأنظمة والقوانين التي صاغوها بأيديهم.

 وعلى افتراض أن الحركات الإسلامية لا تؤمن بفكرة الوطنية ولا تؤمن بالديمقراطية ولا تؤمن بالشراكة كما يدعون، أليس ذلك من حرية الرأي والفكر تماما كما لا يؤمن عبدة الشيطان بالله مثلا من وجهة نظرهم؟ إذاً المشكلة ليست بالأفكار والمبادئ والقيم، ولكن المشكلة في شعور هؤلاء العلمانيين أن نجمهم في أفول مستمر أمام سطوع نجم الإسلاميين وظهوره على كافة الأفكار والمعتقدات ذات الأصل الغربي والغريب عن الثقافة العربية والإسلامية، تلك الأفكار التي فرضت بالقوة على شعوبنا ولفترات طويلة من الزمن، ثم لفظتها الشعوب في أول فرصة أتيحت لها وعادت متشوقة لفطرتها ولعشقها الابدي للإسلام الذي جمعها على مبادئه السامية التي ألفت قلوب العرب والعجم، ولا زال سنا بريقه يضيئ منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام من الزمن، قد يحجبه غبار الظلم والاستبداد حينا لكنه لا يلبث أن يعود سناه لامعاً من جيد، فهل فقه ناصر القدوة هذه الحقيقة؟