الهجرة النبوية الشريفة ...دروس وعبر مدونة

الأربعاء 07 أبريل 2021 11:23 م بتوقيت القدس المحتلة

بقلم الدكتور محمد علي الصلابي

بعد أن مُنيت قريش بالفشل في منع الصحابة رضي الله عنهم من الهجرة إلى المدينة على الرغم من أساليبها الشنيعة والقبيحة، فقد أدركت قريش خطورة الموقف، وخافوا في مصالحهم الاقتصادية، وكيانهم الاجتماعي القائم بين القبائل العرب، لذلك اجتمعت قيادة قريش في دار الندوة للتشاور في أمر القضاء على قائد الدعوة، وقد تحدث ابن عباس في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (الأنفال ، آية : 30).

فقال: تشاورت قريش ليلة بمكة، فقال بعضهم: إذا أصبح، فأثبتوه بالوُثُق يريدون النبي صلى الله عليه وسلم، وقال بعضهم: بل اقتلوه، وقال بعضهم: بل أخرجوه، فأطلع الله نبيه على ذلك فبات عليُّ على فراش النبي صلى الله عليه وسلم ـ تلك الليلة. وخرج النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أصبحوا، ثاروا إليه، فلما رأوا علياً ردَّ الله مكرهم، فقالوا: أين صاحبك هذا؟ قال: لا أدري فاقتصُّوا أثره، فلما بلغوا الجبل، اختلط عليهم الأمر، فصعدوا الجبل، فمرُّوا بالغار، فرأوا على بابه نسيج العنكبوت، فقالوا: لو دخل هاهنا لم يكن ينسج العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاثاً.

قال سيد قطب ـ رحمه  الله ـ في تفسيره للآيات التي تتحدث عن مكر المشركين بالنبي صلى الله عليه وسلم: إنه التذكير بما كان في مكة قبل تغيُّر الحال، وتبدل الموقف، وإنه ليوحي بالثقة واليقين في المستقبل، كما ينبه إلى تدبير قدر الله وحكمته فيما يقضي به ويأمر، ولقد كان المسلمون الذين يحاطون بهذا القرآن أول مرة يعرفون الحالين معرفة الذي عاش، ورأى، وذاق، وكان يكفي أن يذكروا بهذا الماضي القريب، وما كان فيه من خوف وقلق في مواجهة الحاضر الواقع، وما فيه من أمن وطمأنينة، وما كان من تدبير المشركين ومكرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم في مواجهة ما صار إليه من غلبة عليهم لا مجرد النجاة منهم.

لقد كانوا يمكرون ليوثقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحبسوه حتى يموت أو ليقتلوه ويتخلصوا منه، أو ليخرجوه من مكة منفياً مطروداً، ولقد ائتمروا بهذا كله، ثم اختاروا قتله، على أن يتولى ذلك المنكر فتية من القبائل جميعاً، ليتفرق دمه في القبائل، ويعجز بنو هاشم عن قتال العرب جميعاً، فيرضوا بالدية، وينتهي الأمر﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ إنها صورة ساخرة، وهي في الوقت ذاته صورة مفزعة، فأين هؤلاء البشر الضعاف المهازيل من تلك القدرة القادرة، قدرة الله الجبار، القاهر فوق عباده، الغالب على أمره، وهو بكل شيء محيط.

وقد قام النبي صلى الله عليه وسلم بالترتيبات اللازمة للهجرة ولم يعلم بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد حين خرج إلا علي بن أبي طالب وكان أبو بكر الصديق في رفقته، وآل الصديق في خدمته صلى الله عليه وسلم.

وعندما أحاط المشركون بالغار، وأصبح منهم رؤي العين، طمأن الرسول صلى الله عليه وسلم الصديق بمعية الله لهما، فعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم وأنا في الغار: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، فقال صلى الله عليه وسلم: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما»؟

وذكر المولى عز وجل في كتابه قوله تعالى:﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة، آية : 40).

ولما سمع المسلمون بالمدينة مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة، فانقلبوا يوماً بعدما أطالوا انتظارهم، فلما أووا إلى بيوتهم، أوفى رجل من يهود على أُطُم، من آطامهم، لأمر ينظر إليه، فبصر برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مُبيضين يزول بهم السراب، فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته: يا معاشر العرب، هذا جدكم الذي تنتظرون، فثار المسلمون إلى السلاح، فتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهر الحرة، فعدل بهم ذات اليمين، حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف، وذلك يوم الاثنين، من شهر ربيع الأول، فقام أبو بكر للناس، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم صامتاً، فطفق من جاء من الأنصار ـ ممن لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ يُحيِّي أبا بكر، حتى أصابت الشمس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه فعرف الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك، فلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة، وأسس المسجد الذي أسس على التقوى، وصلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ركب راحلته.

وبعد أن قام رسول الله صلى الله عليه وسلم المدة التي مكثها بقُباء، وأراد أن يدخل المدينة بعث إلى الأنصار فجاؤوا إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، فسلموا عليهما وقالوا: اركبا آمنين مطاعين فركب نبي الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وحطُّوا دونهما السلاح.

وعند وصوله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، قيل في المدينة: جاء نبيُ الله فأشرفوا ينظرون ويقولون: جاء نبي الله.

فكان يوم فرح وابتهاج لم تر المدينة يوماً مثله، ولبس الناس أحسن ملابسهم كأنهم في يوم عيد، ولقد كان حقاً يوم عيد، لأنه اليوم الذي انتقل فيه الإسلام من ذلك الحيز الضيق في مكة، إلى رحابة الانطلاق والانتشار بهذه البقعة المباركة "المدينة" ومنها إلى سائر بقاع الأرض. لقد أحسَّ أهل المدينة بالفضل الذي حياهم الله به، وبالشرف الذي اختصهم به أيضاً، فقد صارت بلدتهم موطناً لإيواء رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته المهاجرين، ثم لنصرة الإسلام، كما أصبحت موطناً للنظام الإسلامي العام، والتفصيلي بكل مقوماته، لذلك خرج أهل المدينة يهللون في فرح وابتهاج، ويقولون يا رسول الله، يا محمد، يا رسول الله.

روى الإمام مسلم بسنده قال: عندما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة صعد الرجال والنساء فوق البيوت، وتفرق الغلمان والخدم في الطرق، ينادون: يا محمد يا رسول الله، يا محمد يا رسول الله، وبعد هذا الاستقبال الجماهيري العظيم الذي لم ير مثله في تاريخ الإنسانية، سار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل في دار أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، فعن أنس رضي الله عنه في حديث الهجرة الطويل: فأقبل يسير حتى نزل جانب دار أبي أيوب، فإنه ليحدث أهله، إذ سمع به عبد الله بن سلام، وهو في نخل لأهله يخترف لهم فعجّل أن يضع الذي يخترف لهم فيها، فجاء وهي معه فسمع من نبي الله صلى الله عليه وسلم، ثم رجع إلى أهله، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: «أي بيوت أهلنا أقرب؟» فقال أبو أيوب: أنا يا نبي الله، هذه داري، وهذا بابي قال: «فأنطلق فهيء لنا مقيلاً»، ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي أيوب حتى بنى مسجده ومساكنه وبهذا قد تمت هجرته صلى الله عليه وسلم، وهجرة أصحابه رضي الله عنهم، ولم تنته الهجرة بأهدافها وغاياتها بل بدأت بعد وصول رسول الله صلى الله عليه وسلم سالماً إلى المدينة، وبدأت معها رحلة المتاعب، والمصاعب والتحديات، فتغلب عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم للوصول للمستقبل الباهر للأمة، والدولة الإسلامية، التي استطاعت أن تصنع حضارة إنسانية رائعة، على أسس من الإيمان والتقوى والإحسان والعدل، بعد أن تغلبت على أقوى دولتين كانتا تحكمان العالم، وهما: دولة الفرس ودولة الروم.