هكذا عرفت العم عمر

السبت 24 أبريل 2021 11:50 ص بتوقيت القدس المحتلة

هكذا عرفت العم عمر

بقلم الأسير قسام البرغوثي

الآن وبعد أيام على رحيله وخسارته، أكتب عن رجل تحتضنه الآن الأرض التي أحبها وأحبته، عن رجل لم يبلغ عمري الآن سنوات اعتقاله ولن يبلغ بعد عمر سنوات نضاله.

أكثر من ثلاثين عاما قضاها في الأسر والبعد والحرمان، لم تثنه يوما عن النضال ولم تفقده الأمل والإيمان بالنصر الحتمي لحظة، ناضل حتى لفظ آخر أنفاسه.

كان حرا وصلبا، متجذرا في الأرض ومتجذرة فيه، لم تغره هامشيات الحياة ولم تحيده يوما عن ميادين النضال، فظل مخلصا لوطنه وقضيته التي أبقاها أساسا لحياته وكل مكونات الحياة الشخصية كانت على الهامش.

كان الصخرة التي لم تحركها أقوى التيارات في الوقت الذي لم يحتمل فيه كثيرون أبسط التيارات، فانجرفوا معها كخرقة بالية وطافوا في كل الوديان، يبحثون عن غصن يابس يتشبثون به لينتشلهم، أو أن يتركوا لأنفسهم السباحة مع كل مياه تجيء.

أن تؤمن بقضية ما يعني أن تفني عمرك في سبيلها. هكذا كان العم عمر، هكذا آمن وهكذا ربى، وهكذا علم كل من عرفه وعايشه. وكل نهر على منبعه أمين. وما أكتبه الآن عدة مواقف ولقاءات جمعتني بالعم عمر. حاولت أصيغها بطريقة قصصية. هذه القصص هي عن هذه المواقف التي تتعدى بقليل عدد أصابع اليد.، جمعتني به في الأيام التي قضاها خارج السجن على طول سنوات عمري، وبعضها بعد أن كبرت والتقيته في السجن. عن مواقف بسيطة كان ينتهزها ليبث الأمل وحب الأرض والناس والصبر والجلد، مواقف قليلة سأكتب عنها فماذ سيكتب من عايش سنوات نضاله كلها.

أسمع عنه من أبي، من أمي، أبناء عمومتي، أصدقائي الأكبر مني سنا. معظم الذين كنت أعرفهم، يتحدثون عنه، عن صبره، عن قوته وجلده وأشياء كثيرة. مصطلحات كانت جديدة على مخزون الكلمات التي أسعفني عمري حينها وتعلمتها، في البيت أو في المدرسة. كنت أخجل من السؤال عن معانيها. وكنت أعلل بيني وبين نفسي أنني قد أتعلمها في حصص المدرسة، وكم كنت غبيا حينها فمثل تلك المصطلحات حتى يومي هذا لم أجدها في مناهج السلطة التعليمية كلها، لا في كتب المدرسة ولا في الجامعة.

يتحدث عنه الجميع كنت أتخيله مثل شخصية " أبو الركاب" في مسلسل " الموت القادم من الشرق" التاريخي، الذي كتم صرخاته حين وضعوا النار على جسده.

تصورته ربما بسبب اسمه كعمر المختار الثائر الليبي، تشوقت للقائه قبل أن أعرفه. أتخيل قوة يده حين أسلم عليه. أهي كقوة يد أبي؟ هكذا كنت أتخيل وأحاول أن أقارن بعد السلام عليه.

عصر يوم صيفي إن لم تخني الذاكرة، كنا نلعب كرة القدم في ملعب صغير بحارتنا" وادي الشيخ"، سمعنا صوت أغان وأناشيد وطنية تنبعث من بعض السيارات، جمع من الناس يقفون على دوار القرية، يستعدون للذهاب لاستقباله، تركنا اللعب، أو البعض منا ذهبنا صوب التجمع والسيارات، سيذهبون لملاقاته للسيارات

هكذا فهمت رحت أتساءل بيني وبين نفسي: أي شخص عظيم سيلاقون بالسيارات؟ ولماذا له كل هذا الاحترام؟ ألهذه الدرجة يحظى الأسير باحترام الناس وحبهم؟ لماذا؟ رحت وصديق لي نلتصق بإحدى السيارات لنركب فيها فور انطلاقها، حين بدأ التحرك، جاء بعض الشبان وركبوا السيارة ولم يعد لنا أي متسع، ركضنا خلف سيارة أخرى بيضاء مفتوحة من الخلف ولها صندوق، كان فيها شبان وصبية من جيلي، كانت تسير ببطء، كنت وصديقي نركض بأقفصى سرعة لدينا، بعض الصبية يضحكون علينا وبعضهم يدعونا للإسراع، واصلنا الركض، كان السائق يتحدث على الهاتف ثم تباطأ أكثر عند مطب. وصلنا السيارة وتعلقنا على القفص من الخلف، انتبه لنا أحد أقارب العم عمر، أمرنا بالقفز من السيارة، رفضنا طلبه وأخذت سرعة السيارة نزداد، وفي النهاية قفزنا رغما عنا. مع القفزة شيء ما جذبنا نحو الأمام فكدنا نسقط على وجهينا، لولا أن تداركن الأمر بالأيدي.

تعالت ضحكات من بالسيارة ومن بينهم ذلك الشاب. شعرت بخيبة الأمل وبقيت عيناي لا تفارق ذلك الشاب الذي طردنا شر طردة دون أن أعرف لماذا؟ وغابت السيارة. وقفت وصديقي نؤشر للسيارات بأيدينا التي كانت كما لو صعقت بالكهرباء إثر تلك القفزة ولم تكن السيارات آبهة بأيدينا الصغيرة. فعدنا للعب.

كانت الشمس قد غربت وتبقى لنا القليل من الضوء الذي يتيح لنا بصعوبة رؤية الكرة البيضاء الممروغة بالتراب. بقينا نلعب حتى سمعنا صوت أبواق السيارات وركضنا حتى الشارع، بدأنا بعد السياراتز كنت وقتها غير راغب بالتسليم عليه بسبب تلك الطردة. عرفنا السيارة التي تقل العم عمر ولم نره، ثم رأيت السيارة التي طردنا منها، بقيت أحدق في الشاب وأتمنى أن يسقط، عبثا كنت أحاول وذلك ما أثار احتقاني أكثر. توجه أصدقائي للسلام عليه فلم أذهب نكاية في ذلك الشاب الذي يمت للعم بصلة قرابة.

بعد أيام عرف والدي أنني لم أسلم عليه، أفهمته موقفي فأقنعني بالذهاب فذهبت معه، في الطريق حدثني عن سنوات المطاردة في الجبال، تحدث عن ملاحقتهما من قبل الجيش الصهيوني وتمزق قدمه واحتمائه بصخرة يعتليها الجنود دون أن ينتبهوا، حيث انشغلوا بإطلاق النار على العم عمر ولاذ بالفرار.

أشار أبي إلى تلك المنطقة التي كانت فيها أغصان التين تتساقط حول العم عمر حين يصيبها الرصاص. على مدخل البيت سلم والدي على بعض الأشخاص الذين كانوا خارجين من البيت، وقف أبي مع أحدهم، وأنا ذهبت بعيني للسيارة التي استجابت بصوت حاد وأضواء صفراء لنداء جهاز التحكم الذي يحمله أحدهم.

دخلنا البيت، كان حول العم عمر مجموعة من الأشخاص، وقف مرحبا بنا، عانق أبي ثم انحنى بقامته وعانقني. شعرت بخشونة لحيته على خدي الأجرد، ربت على ظهري، ضربات كانت قوية لكنها لا تخلو من حنان.

عرفني وعرف اسمي، سألني عن سبب تسميتي بهذا الاسم، أجبت بسرعة، ابتسم وربت على كتفي، احمر وجهي، ثم انشغلوا في حديث لم أفهمه، رحت أنظر إليه نظرات مختلسة، وكلما يضبطني أنظر إليه أنشغل بشيء ما. رحت أقارن بينه وبين أبي حين ارتفع صوت العم عمر: قال شو؟ لازم تعقل! قالها وأخذت نبرة صوته تهدأ شيئا فشيئا أخذ يفسر وهو ينظر إلي، كأن الحديث يوجه إلي، أو هكذا تخيلت.

احمر وجهي وشعرت بحرارة تتدفق في رأسي، بدأ يتحدث عن طول النفس وقصره، عن رفاق طريق النضال الطويل، عن الأثمان التي يجب أن تدفع، استرشد بأمثلة لم أحفظها، يذكر رفاق دربه الذين استشهدوا في الأسر وخارجه، عن أناس غير فلسطينيين ضحوا بأعمارهم وحياتهم في سبيل قضيتنا، عن عز الدين القسام السوري الأصل وانتقل بنظره إلي مرة أخرى، وعاد يتكلم بأشياء لم أفهمها، فهمت من الحديث أن الذين خرجوا حين دخلنا يدعونه لأن "يعقل"! علت نبرة صوته مجددا: هو أنا حرامي عشان أعقل؟ أو أصير مع السلطة بصير عاقل؟ وأطلق ضحكة أتبعها بتنهيدة وراح يردد: هذه الحياة التي اخترناها وهم اختاروها، " وعائلاتنا مش أحسن من عائلات الناس اللي بتضحي الفرق أننا اخترن أن نظل للآخر.

لم أكن حينها أجرؤ على الاستيضاح منه ومن أبي، كنت أكتفي بالاستماع ومداراة خجلي واحمرار وجهي كلما وجه العم عمر بصره إلي أثناء الحديث.

بعد وقت قصير جاء ضيوف، لم يكن عدد الكراسي كافيا، وقف أبي وسلم عليهم وعلى العم عمر، وأشار لي بأن أقف حتى نغادر، سلمت على العم عمر وانتهزت فرصة انشغال أبي بالسلام على أحد الضيوف، وملأت يدي بحبات الملبس وسبقته للخارج.

أشعل أبي سيجارته وراح يشير إلى حارة كاملة ببيوتها وأسوارها. كانت شجيرات الصبر كأنها تغطي المنطقة، بعد قليل أشار أبي لبيت على يسارنا وحدثني عن مرة عندما كان مطاردا أن أصحاب هذا البيت كانوا يخرجون أحد أبنائهم ليبيت أبي مكانه. كنت أثناء حديثه منهمكا بمضغ حبات الملبس المتنوعة التي تملأ فمي، وحين انتهيت استفهمت من أبي، لماذا هؤلاء يدعون العم عمر بأن يعقل؟ ماذا فعل؟ تحدث أبي كثيرا وحاول قدر المستطاع أن يبسط لي حتى أفهم، وجل ما فهمته أنه كان أعقل من الذين يدعونه" أن يعقل" وأن العم عمر من أخيَر الناس، لم تغيره الدنيا كما غيرتهم، والكثير من الأشياء التي استعصت على فهمي آنذاك.

اشتريت لأبي علبة سجائر "فريد" وذهبت للعب مع الأصدقاء. بعد أن كبرت، طالني الاعتقال وبدأت أدرك معالم الطريق وأؤمن بخياراته، سمعتها في لحظات تحرري " إعقل" سارح والناس مروحة" " مبيوعة" وغيرها من الكلمات التي تستفز كل شعرة في جسدي، شعرت كم تكون مستفزة وكم تجرح، تستفزك وهي تخرج من المحب ومن الشامت، كلها مستفزة وإن اختلفت فإنها تختلف في المقدار الذي تستفزك فيه. كنت في كل مرة أتساءل: هل العقل والتعقل في ترك حياة النضال؟ هل العقل في التخلي عن أحلامنا وأحلام شعبنا؟ هل العقل في التخلي عن القيم النبيلة والمبادئ التي تربينا عليها؟ إن كان العقل أن نتخلى عن حلم أحلام طفولتنا ونضالنا فسحقا للعقل. فهناك فرق بين العقل والجبن.