قراءة نقدية في الحالة الفلسطينية.. "الهندرة" هي المخرج

الأحد 02 مايو 2021 10:28 ص بتوقيت القدس المحتلة

محاولات كثيرة، وجهود كبيرة تُبذل للم الشمل الفلسطيني، وإعادة إنتاجه بما يضمن إدارة أفضل للصراع، لكنها، وبكل أسف، تُصد مع أحقر وأدنى صادٍّ لها..!

وهذا، ليس بالضرورة أنه يكشف عن عدم القناعة بجدوى الفعل الوطني الساعي لوحدة الموقف، ورصِّ الصف، بقدر ما يكشف عن ضعف هيكلي عام لكل الحالة الوطنية الفلسطينية الراهنة.

وهذا الضعف الكبير غير منكور، وقد أضحى جزءاً كبيراً من الهيكل الوطني العام عبارة عن ترسبات لحقب بائدة.

ولكنها بقيت هنا في الحالة الفلسطينية تتكلس لتصبح كتل حجرية تضيّق منافذ الفعل الوطني، لتشكل حالة ضغط دائم، وتمنع أي مرور سلس للمشاريع الوطنية، هذا إن لم تحبطها، في الوقت الذي تستنزف كثيراً من المجهود الوطني فيما هو ضار أو غير مفيد.

يدعونا هذا إلى تفكيك أو حتى تفتيت الظاهرة السياسية في حالتنا الوطنية، قبل الحديث عن أي ترتيبات ظاهرية لا تنفذ إلى عمق الإشكال.

 لأن؛ مثل هذه الترتيبات التي نسمعها، إن نجحت، فإنها ستنجح فقط في تسكين موضوعي لحالة ملتهبة جداً، وهذا سيعطي فرصة أكبر لاستفحال المرض، إن لم يكن التسكين مرحلي في برنامج علاجي كبير وشامل.

أجل، فإن إغفال أو تغافل أصل المشكل وجوهره يحدث مضاعفات مزمنة في المشهد، حتى إذا خرج على السطح مرة أخرى، فلن يُجدي معه غير مضاعفة كمية التسكين بهدف التغييب دون أي معالجة..

وهكذا نحن نستمر في حالة الدوران في ذات الدائرة المفرغة، والتدراية المتكررة التي تنعدم جدواه أكثر كلما يتم ذات الفعل.

ولهذا، أنصح العقلاء، وليس الكبار؛ لأن من هم كباراً في واقع تخلق فيه إشكال مثل هذا، ليسوا معنيين أن يغيروا واقعاً تضخموا هم فيه، إلا قليلاً منهم (وقليل من عبادي الشكور).

فأتوجه للقليل هذا، والعقلاء الواعون، وهم كثيرون، ولكنهم مغيبون، وأقول: الواجب إعادة مأسسة الفعل الوطني كله من خلال هندسة جديدة (هندرة)، لكل العمليات المراد تحقيقها، والأهداف المقصود إنجازها.

وهذا بالضرورة يتشكل منه تكوين جديد تظهر منه الحالة الوطنية، بحيث يُغيّب بالاندماج الكلي المتفاعل جميع مكونات الحالة السابقة؛ فتنصهر في حالتها الجديدة.

على أن يأخذ مهندسو هذا التحديث فقط في الاعتبار "ضرورات المرحلة، ومتطلباتها، وأهدافها، وبرامجها المناسبة"، وينأون عن أي محاصصة مناطقية أو حزبية سابقة أو ولائية لغير البرنامج الوطني.

وبما يضمن عدم تكرار مأساتنا السابقة أو الحد منها لو حدثت من باب (كلا إن الإنسان ليطغى).

وعليه، فإنه يستوجب إخضاع هذا التشكيل الوطني المحدث لمراقبة وطنية شعبية متواصلة، من خلال لجان ثورية تشارك في القرار الذي ستنفذه، ويصنعون معاً المصير المشترك..

وبذلك يتم تدوير الترسبات، وتحديث الفعل بما يُمكّن من تجاوز حالة التيه المزمنة، ويخرجنا من التناقض البرامجي، والتعارض في أولويات الفعل الوطني، وما خلفه كل ذلك من تأخر الإنجاز الحقيقي في مشاريعنا الوطنية.

وبذلك، يُجند الشعب كله خلف قيادة هو أنتجها، ويشاركها القرار والمصير..

فلا نبقى نحتفل بمرور سنوات الثورة، ونحتفي بتضحياتنا، وقليل من إنجازاتنا، بل سنحقق في المدى المنظور والقريب، بإذن الله، إنجازات هامة، ولو مرحلية من أهدافنا الوطنية الكبرى.

طبعاً، دون إغفال الغايات الكبرى للمشروع الوطني وهي: التحرير الكامل، والعودة للديار، وتقرير المصير.

والأهم أن مثل هذا يمكنه أن يحفظ القضية من أن تغيبها صراعات الزعامة والتمثيل التي استهلكت، وأهلكت من قبلنا، ولازالت هي مدخلاً يتسرب منه المغرضون بأدوات ليس آخرها المجدلاني من على شاكلته.. مثلاً.

والله من وراء القصد..