آلآن تدعو لحكومة وحدة وطنية يا أبا مازن؟

الأحد 02 مايو 2021 11:31 ص بتوقيت القدس المحتلة

تعلمنا ونحن صغار قصة فكاهية كانت تُروى عن حجا، تقول أحداثها أن جحا سطا ذات ليلية على حقل مزروع بالصل، فسرق منه حمل حماره بصلاً ثم قفل راجعاً إلى بيته، وفي الصباح عندما قدم صاحب الحقل الي حقله وجد أن حقله قد سرق، فتتبع الآثار الموجودة على أرض الحقل فدلته على بيت جحا، فذهب صاحب الحقل إلي الوالي وشكا حجا، فأرسل الوالي شرطته الي بيت جحا، فوجدوا البصل لا يزال محملاً على الحمار، فأتوا بجحا وحماره إلي الوالي، وعندما مَثُلَ جحا أمام الوالي اعترف بالسرقة، وطلب من الوالي الرحمة، عند ذلك خَيّر الوالي جحا بين ثلاث عقوبات، أما العقوبة الأولى فهي أن يجلد جحا مئة جلدة، وأما العقوبة الثانية فهي أن يأكل جحا مئة بصلة من البصل الذي سرقه، وأما العقوبة الثالثة فهي أن يدفع جحا مئة درهم، فكر جحا بسرعة وظن أن أسهل العقوبات هي أكل البصل فبدأ يأكل في البصل واحدة تلو الأخرى، وعند البصلة العاشرة كان حلقه قد اشتعل من حرقة البصل، وعيناه امتلأت بالدموع، وأنفه سال بغزاة، فلم يستطع أن يكمل وطلب أن يجلد مائة جلدة، وبالفعل بدأ الجلاد بضرب جحا بالسوط، وعند الجلدة العاشرة التهب ظهر جحا من الألم، وعلا صراخه طالبا وقف العقوبة، لأنه لا يستطيع تحمل المزيد، وقرر جحا في النهاية أن يدفع المائة درهم.

قصة جحا اختصرت لنا حقيقة حالنا مع أبي مازن، الذي اتخذ كل القرارات الخاطئة قبل أن يدرك أنه لامحالة من المضي قدماً في أقصر الطرق للوصول إلى الهدف الذي يعفى الشعب من مرارة الانقسام، ولكن يبدو أن قرار أبي مازن جاء متأخراً جدا كقرار جحا الذي اتخذ قراره بعد أن ذاق العقوبات الثلاث كلها.

 أبو مازن خاض مع الشعب الفلسطيني طوال الخمسة عشر عاماً الماضية صولات وجولات، فمرة يشكل حكومة مستقلين يسميها حكومة وفاق، يشترط أن يوافق على جميع أعضائها، ثم يلزمها باتباع تعليماته شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى أنه يطلب من رئيسها قبل أن يبدأ عمله أن يَمْثُل بين يديه ليُقر أمام وسائل الإعلام بأن الحكومة هي (حكومة الرئيس) وتلتزم بتعليماته وتوجيهاته مثل ما حدث مع حكومة الحمد لله، ثم ما تلبث هذه الحكومة أن تفشل، بعد أن يعطيها أبو مازن تعليمات بألا تتعامل مع الوضع القائم في قطاع غزة من مؤسسات وموظفين، ويطلق عليهم مصطلح (غير شرعيين) ويرفع شعار (التمكين) ومن (الباب للمحراب) وكأنه يريد أن يقص شريط الزمن الذي مر على حكومة السيد إسماعيل هنية، ويلغي كل ما قامت به من إجراءات، لا شك لم يكن مصير هذه الحكومة إلا الفشل، ثم قرر أن يشكل حكومة برئاسة اشتية، واصفاً إياها بأنها حكومة فصائل منظمة التحرير، وهو يعلم أن الفصائل التي شُكلت منها هذه الحكومة لا تساوي في ميزان القوى السياسية من شيء يذكر، واستمر سادراً في غيه، فحل المجلس التشريعي الفلسطيني بعد أن سلبه اختصاصاته وأعطى لنفسه سلطة التشريع، واشتبك مع السلطة القضائية وعدل القوانين التي تحكم عملها، ليحكم قبضته عليها ويحرمها من استقلالها الذي كفله لها القانون الأساسي، الأمر الذي أدى الي حدوث ثورة عارمة في صفوف الحقوقيين، ليقرر تشكيل لجنة لإعادة دراسة هذه القوانين أخيراً، وتفشل حكومة اشتية فشلا ذريعا كما فشلت سابقتها بعد أن وصل الحال برئيسها لتخيير المواطنين بين المال والوطن، في محاولة بائسة لتسويغ فشله في انعاش الوضع الاقتصادي المتردي، وبعدما وصلت الأمور الي الهاوية، وفعل ترامب فعلته التي فعل، وأصبحت القضية الفلسطينية في مهب الريح، قرر أبو مازن أن يلبي طلب الإجماع الفلسطيني بدعوة الأمناء العامون للفصائل للاجتماع بعد رفض استمر لسنوات، ولقد حاولت الفصائل الفلسطينية إقناعه أن يبدأ بتشكيل حكومة وحدة وطنية، كي تصلح ما أفسدته حكوماته المتعاقبة  الفاشلة، وبعدما اخذوا منه العهود والمواثيق على ذلك، تفاجئوا به يعيد التنسيق الأمني مع الاحتلال ويقلب للأمناء العامين وللشعب الفلسطيني ظهر المِجَنْ، ويعود لسيرته الأولى في إعادة علاقته مع الاحتلال والتنكر لكل ما تم الاتفاق عليه، ثم تستمر قصة أبي مازن مع الشعب الفلسطيني فيوافق على إجراء الانتخابات كمخرج للحالة البائسة التي أوصلتنا اليها سياساته الخرقاء، وقد رأت الفصائل أن الأفضل تشكيل حكومة وحدة وطنية، ترمم الحالة الفلسطينية وتمهد لإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية والمجلس الوطني، لكنه رفض رفضاً قاطعاً وأصر على أن تجرى الانتخابات أولاً، مشترطاً إلغاء شرط التزامن حتي يضمن بقاءه في الحكم أطول فترة ممكنة، وبعد أن انطلقت العملية الانتخابية وأوشكت أتنتهي اتخذ قراراً بتأجيلها إلى أجل غير مسمى، بعد أن أيقن أنه خاسر فيها لا محالة، متذرعاً برفض الاحتلال إجراء الانتخابات في القدس، رغم أن هناك وسائل شتى يمكن التغلب بها على هذه المعضلة الوطنية، وبعد أن رفضت معظم الفصائل الوازنة قراره بإلغاء الانتخابات، عدا تلك الفصائل التي سبق أن شكل منها حكومة اشتية، ويجمعها دائماً في مشهد أقرب لمشهد الفرقة الموسيقية التي تعمل وفقاً لعصا الميسترو، قرر أبو مازن عوداً على بدء، دعوة الفصائل لتشكيل حكومة وحدة وطنية للتخفيف من غلواء المعارضة الشعبية العارمة لقراره الفردي الغير دستوري بتأجيل الانتخابات.

الله سبحانه وتعالى خاطب فرغون حينما أوشك أن يغرق ونطق بكلمة التوحيد قائلا (آلآن وقد عصيت) والشعب الفلسطيني يقول لك يا أبا مازن آلآن تريد تشكيل حكومة وحدة وطنية، بعد أن أهدرت من عمر الشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية كل هذه المدة، وما تخللها من إفساد الحياة السياسية، والتفرد بالقرار، وما صاحب ذلك من قطع أرزاق الناس، ومصادرة حقوقهم، والوصول بالقضية الفلسطينية إلى الدرك الأسفل؟ آلآن يا أبا مازن ؟