ناجي شكري الظاظا

محدث بالفيديو والصور قراءة في نموذج القدس لفرض الإرادة الوطنية

د. ناجي شكري الظاظا || كاتب ومحلل سياسي

لقد قدم الشباب الفلسطيني في القدس نموذجاً فلسطينياً بامتياز في فرض إرادته الوطنية على الإحتلال، ولم يكن باب العمود هو المرة الأولى التي يتصدى فيها لقرارات الاحتلال التي تمس حريتهم الدينية والمدنية،  ففي معركة البوابات الإلكترونية في يوليو 2017 استطاع المقدسيون إجبار الاحتلال على إزالة تلك البوابات التي هدفت إلى تقييد حريتهم في الوصول للمسجد الأقصى عبر التفتيش والفحص الإلكتروني ذهاباً وإياباً. وفي معركة مصلى باب الرحمة (فبراير 2019) أجبر المقدسيون الاحتلال على فتح المصلى للصلاة تحقيقاً لإرادتهم التي ترى أن المصلى هو جزء من المسجد الأقصى وأن الصلاة فيه هي حق خالص للمسلمين.

وكذا كانت أحداث باب العمود التي فرضت إرادة الشباب المقدسي بحقهم في التواجد في ساحة باب العمود وقتما شاؤوا، وأن منعهم من استخدام المدرجات التي تعتبر متنزهاً مقدسياً، يمثل تعدياً على حقهم المدني والطبيعي، الذي لا يقبلوا أن تصادره بلدية الاحتلال.

ولعل السؤال دائماً يأتي عن سر قوة الحراك المقدسي رغم ضعف إمكاناتهم المادية والسياسية؟ فهم لا يملكون قوة عسكرية للمقاومة كالتي في غزة، ولا تحركهم تنظيمات سياسية كما في الضفة. ولعل سر قوتهم يأتي مما يراه البعض ضعفاً لدى غيرهم من المكونات الفلسطينية الأخرى. فهؤلاء شباب لا تحركهم تنظيمات أو فصائل ولا يرون أنفسهم سوى فلسطينيين من حقهم استعادة حقوقهم المغتصبة من الاحتلال الإسرائيلي.

هؤلاء لا يراهنون على إجراءات السلطة ولا على قراراتها الشكلية، فهم قرروا في كل مرة أن يفرضوا سلطتهم وسيادتهم عبر المعركة في الميدان. هؤلاء لا ينتظرون من يزايد على حقهم السياسي بالمشاركة في الانتخابات الفلسطينية، فهم قادرون على فرضها في الميادين مهما كان الثمن، وهم على ثقة بقدرتهم الذاتية لإجبارالاحتلال على الاستجابة، فظلم الاحتلال المستمر يضغط عليهم لأن يكونوا كذلك، وليس لديهم خيارات سوى المواجهة أمام مصادرة ممتلكاتهم وبيوتهم التي ولدوا فيها ومات على فراشها آباءهم في الشيخ جراح، وفي مواجهة ضرائب الاحتلال التي تهدف إلى تعطيل حياتهم التجارية والاقتصادية، ورفضاً لتعكير صفو عبادتهم من خلال الاقتحامات المستمرة للمسجد الأقصى من قبل اليهود بحماية كاملة من الشرطة الإسرائيلية.

رغم قسوة إجراءات الاحتلال ووحشيتها إلاّ أن الشعب الفلسطيني لا يزال يملك قوة ذاتية متجددة لمواجهتها وإفشالها، فهو لا يملك خيارات كثيرة أو كبيرة بعد أن تخلى عنه كثير من العرب والمسلمين؛ إما بالصمت على جرائم الاحتلال دون تحرك رسمي أو حتى شعبي يتناسب مع حجم القدس ومكانة الأقصى! أو بالتطبيع مع الاحتلال ودعمه بالمال والاستثمار بدلاً من دعم الاقتصاد المقدسي والفلسطيني تحقيقاً للواجب القومي أو الديني!
إن صراع الإرادات الذي يخوضه الفلسطيني في معركته المستمرة مع الاحتلال يحمل معه كثير من الألم من الشعور بالخذلان الخارجي والاستغلال الداخلي. فاستغلال رئيس السلطة لحالة المقدسيين ومعاناتهم تحت الاحتلال من أجل تعطيل المسار الديمقراطي بتأجيل الانتخابات تحت ذرائع أثبت المقدسيون أنهم قادرون على تبديدها، يتجلى بتجاهله لمأساة عشرات العائلات في حي الشيخ جراح المهددة بالتهجير والطرد.

وتبقى القدس العاصمة، محل فخر ونموذج للعزة والكرامة التي تفرضها الإرادة الوطنية دون استجداء أو استرضاء للمحتل، فهي عنوان للصراع وبوصلة الثورة الفلسطينية التي لا تنتصر إلاّ بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، شاء من شاء وأبى من أبى.

استطلاع رأي

هل ستحاسب السلطة المتورطين باغتيال نزار بنات؟

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة