عادل ياسين

الجيش الذي لا يُقهر والبالونات الحارقة

لم يكد يمر شهر على انتهاء العدوان (الإسرائيلي) على غزة وما سُمِيَت بعملية (حامي الأسوار) حتى حَلَت باقات البالونات الحارقة والمفخخة محل الرشقات الصاروخية، لتعيد الذاكرة لمن نسى أو تناسى أن معضلة غزة باقية ما بقي الاحتلال وظلمه، وتؤكد أن المنطقة لن تنعم بالاستقرار والهدوء ما لم تتوقف (إسرائيل) عن سياساتها الإجرامية تجاه كل ما هو فلسطيني سواء كانت انتهاكاتها في القدس ومقدساتها أو استمرار اقتحاماتها لمدن الضفة واعتقال احرارها أو حصارها الظالم لغزة، وتُثبت مرة أخرى بطلان فعالية العمل العسكري أمام غزة في ظل وجود مقاومة تصر على انتزاع الحقوق وترفض التسليم بالأمر الواقع والعيش تحت رحمة الاحتلال أو كما تحدث البعض تحت بساطير جنوده، وليس أدل على ذلك هو ما قاله المحلل العسكري تال لف رام: كل من يتوقع أن تكون هناك حلول سحرية وسريعة أمام غزة فسيصاب بخيبة أمل كبيرة.

ورغم تباهي الاحتلال بمشاهد الدمار والقتل في غزة وتصويرها كأنها إنجاز عسكري كبير والحديث عن استعادة قوة الردع وترميمها؛ إلا أن تلك البالونات البسيطة ومحدودة التأثير أزالت الغطاء وكشفت السوءة وجسدت حقيقة عجز الحكومات المتعاقبة على حل معضلة غزة بدءا من يتسحاق شامير ورابين مرورا بشارون وأولمرت وباراك ونتنياهو وليس انتهاء بنفتالي بنت.

فما بين الحل العسكري والتهديد بالرد على كل بالون بالقوة المفرطة وغير النسبية وبين الاحتواء وما يترتب عليه من تداعيات سلبية على مكانة (إسرائيل) وهيبتها الشكلية أمام الرأي العام الدولي والمحلى تتجلى حقيقة التخبط السياسي والعجز العسكري.

أما الحل العسكري والرد بقوة على كل بالون فإنه يمثل بحد ذاته إهانة للجيش الذي يُقال بأنه لا يُقهر، فهل يُعقل أن تدخل في مواجهة عسكرية تستخدم فيها أحدث الطائرات والدبابات والأسلحة مقابل بالونات بسيطة ومحدودة التأثير والقيمة، وماذا عن رد المقاومة التي يصفها المحللون بجميع تصنيفاتهم وانتماءاتهم بأنها (عدو عنيد) لا يخشى المواجهة ويرفض الاملاءات.

ولنفترض جدلاً بأنها امتلكت الجرأة على الدخول في موجة تصعيد جديدة حتى قبل ان تستفيق من هول الصدمة وتأثير الصفعة التي تلقتها خلال معركة سيف القدس، فما هي الإنجازات المتوقعة وهل ستكون قادرة على دفع ثمن الفشل السياسي والعسكري مرة أخرى خصوصا بعد اعتراف قادة الجيش بأنهم فوجئوا من قدرة المقاومة على تطوير إمكانياتها وإدارتها للجولة الأخيرة وعجزهم عن وقف إطلاق الصواريخ حتى اللحظة الأخيرة، وهل ستخاطر هذه الحكومة التي لا زالت في طور التشكل بمستقبلها والقيام بعمل عسكري غير مضمون النتائج، في ظل محاولات زعيم المعارضة بنيامين نتنياهو ومقربوه إسقاطها بأسرع وقت ممكن لكي لا تقوم لها قائمة لاحقا ويعود منتصرا ليتصدر الحلبة السياسية من جديد.

في المقابل فإن هناك إمكانية العودة لسياسة الاحتواء التي تبنتها حكومة بنيامين نتنياهو السابقة على مدار السنوات الماضية وغض الطرف عن البالونات الحارقة والرضوخ أمام مطالب المقاومة والسماح بإدخال المنحة القطرية تارة وتخفيف إجراءات الحصار تارة أخرى عدا عن تجنب القيام بخطوات استفزازية تدفع المقاومة إلى الرد؛ إلا أن تبنى سياسة الاحتواء سيضع حكومة نفتالي بنت في موقف حرج، لاسيما وانه دعا إلى اغتيال مطلقي البالونات والتعامل معهم كمطلقي صواريخ قبل أن يتولى رئاسة الحكومة ويتحمل مسئوليات اجتماعية وسياسية, عدا عن الخسائر المادية والمعنوية، المتمثلة بفقدان سكان المستوطنات الشعور بالأمن الشخصي وثقتهم بمؤسسات الدولة وجيشها.

وما بين نار استخدام القوة ومآلاتها القاسية وبين مرارة الاحتواء وتداعياتها السلبية، تتجسد الحيرة في التعامل مع غزة، لتحاول (إسرائيل) مرة أخرى استخدام سياسة العصا والجزرة على أمل أن يسعفها الوسطاء في إيجاد مخرج آمن يحفظ لها ما تبقى من ماء الوجه والهيبة الشكلية.

استطلاع رأي

هل ستحاسب السلطة المتورطين باغتيال نزار بنات؟

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة