أحمد أبو زهري

فليجلس كلٌّ منا في خندقه

عقدت مؤخرًا العديد من اللقاءات مع كتاب ومحللين ونخب من تخصصات مختلفة في عدة مناطق في قطاع غزة للحديث حول معركة (سيف القدس)، وكان المحور الأهم كيفية حماية مكتسبات المعركة والبناء على ما قدم والاستعداد للقادم.

كان أحد هذه اللقاءات في "مكتب قائد حركة حماس" في غزة، إذ ظل اللقاء ما يقارب الست ساعات قدم فيها الحضور إجابات ومقترحات واضحة حول جميع النقاط والتساؤلات التي أثيرت، وكل منهم كان يمسك بمذكرة متكاملة كانت تشكل خريطة تفصيلية لكل الخيارات المطروحة.

فحماية مكتسبات هذه المعركة مصلحة وواجب وطني يتطلب من الجميع العمل على حمايته بشتى الطرق في ظل كل المحاولات لتبهيت النصر وتفريغه من مضمونه، والتي تبذلها عديد من الأطراف إسرائيليًّا وأمريكيًّا وعربيًّا وفلسطينيًّا، لأن ما قدمته المقاومة (شكل صدمة) لهذه الأطراف والتي كانت لديها تقديرات بأن النتائج ستكون مختلفة وربما تؤدي لرفع الراية البيضاء من قبل المقاومة.

لكن العكس هو ما حصل حين بدأت التدخلات الأمريكية والاتصالات الإسرائيلية في المنطقة لإقناع حركة حماس وبقية الفصائل حتى يوقفوا "الضربات الصاروخية" على أهداف الاحتلال، بعد أن شاهد الجميع كيف تقصف المدن الكبرى داخل الكيان الإسرائيلي، وكيف تسقط منظومات الدفاع المختلفة، وكيف يعجز قادة الكيان عن تحقيق أي أهداف سوى المجازر والتدمير.

لذلك فإن العمل على تعزيز أهداف المقاومة من وراء المعركة الأخيرة واجب وطني؛ لأن ما قدمته المقاومة مذهل وغير عادي بكل المقاييس، فالتقديرات تقول إن جميع الجيوش النظامية في المنطقة لا تملك القدرة على مواجهة الترسانة العسكرية الإسرائيلية، لكن المقاومة في غزة كانت قادرة ولديها الإرادة والقرار، والاستعداد الدائم، وقد فعلت ما لم تفعله أنظمة مجتمعة في حروب سابقة.

فلا أحد ينكر ذلك إلا (جاحد أو قاعد)، فمن يصدق أن تتساقط الصواريخ الفلسطينية على جميع الأهداف داخل الكيان دون توقف لما يقارب العشرة أيام، رغم أن سلاح العدوان في "الجو والبر والبحر" كان يدك غزة ويحطم المنازل فوق ساكنيها ويفتت أجساد الأطفال الأبرياء والشيوخ والنساء، وغيرها من أشكال العدوان التي ترقى لجرائم الحرب وجرائم الإبادة الجماعية.

وعليه فإن بث روح الهزيمة والاستسلام ومحاولات إحباط الناس هي (خطوة مشبوهة) لا يقبلها أي وطني حر يؤمن بعدالة قضيته وبحتمية بقاء الصراع مشتعلًا حتى كنس الاحتلال؛ لأن من ينجح في حسم المعركة عسكريًّا لا يمكنه أن يتراجع عن تحقيق كل أهدافه السياسية، لكن لكل معركة وجولة ظروف ومتطلبات مختلفة.

وأذكر ما علق في ذهني من كلمات مهمة في اللقاء الذي ذكرت: "إن قيادة المقاومة تعد أن المعركة لم تنتهِ بعدُ وما حدث هو وقف لإطلاق النار مرهون بالتزام الاحتلال"، وإن بدا للبعض غير ذلك، فالعدو ينكر التزامه شيئًا في "العلن"، لكنه في "الخفاء" يتحرك في كل اتجاه ويدفع الوسطاء على مدار الساعة للتفاهم مع حماس وبقية الفصائل لمنع اندلاع المواجهة من جديد.

فحينما تستمع من قرب لما سمح بالحديث عنه في "نطاق ضيق" حول جهود الوسطاء والرسائل المتبادلة في هذا السياق، تدرك تمامًا أن ما يخفى أكثر بكثير مما يعلن، وأن كثيرًا مما يثار في الإعلام هو صناعة تفتقد للمعلومات الصحيحة، وهي مجرد تقديرات خاطئة، أو موجهة لغرض خفض مستوى الأمل لدى الناس، ونشر مشاعر الإحباط، وترسيخ قناعات التراجع والفشل.

لذلك فإنه ليس المطلوب البحث والتنقيب لمعرفة ما يجري في الكواليس حاليًّا، أو السعي لإحباط الناس، أو حتى الشعور بخيبة الأمل نتيجة عدم تحقق الشروط في الوقت الحالي؛ لأن انتزاع الحق من عدو مجرم يتطلب الكثير من الجهد يصاحبه تلويح دائم باستخدام القوة التي تمتلكها المقاومة، والتي نجحت في ترميم قوتها في وقت قياسي بعد انتهاء الجولة الأولى من المعركة.

وعليه وانطلاقًا من الإيمان بعظم تضحيات شعبنا وبطولة مقاومته (منقطعة النظير) والتي شهد لها أحرار العالم العربي والإسلامي، فإنه بات من الواجب أن يجلس كل منا في خندقه للدفاع عن هذه القضية بكل ما أوتي من قوة: في السياسة أو الإعلام أو الاقتصاد والحقوق والفكر وغيره، وهذا أقل الواجب تجاه معركة لا تزال مفتوحة مع الاحتلال لانتزاع حقوقنا، ولا مبرر لحالات التخاذل والاستسلام ما دمنا نريد تحرير هذا البلد من الاحتلال.

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة