غزة – محمد هنية
مر عام على اغتيال الشهيد عمر النايف الذي اغتيل داخل مقر السفارة الفلسطينية في العاصمة البلغارية في السادس والعشرين من فبراير الماضي، تبدد خلاله الكثير من الغموض الذي أحاط بالقضية في بدايتها، وبانت ملامح متورطين كُثر، غير أنه لم يكشف السر العميق الذي تحاول السلطة الفلسطينية برام الله إخفائه في بئرها.
النايف لجئ إلى السفارة الفلسطينية ببلغاريا بعد وضع النيابة العسكرية الإسرائيلية منتصف ديسمبر عام 2015 طلباً لدى وزارة العدل البلغارية بتلسيمه، والذي أعقبه طلب النيابة البلغارية بوضعه رهن الاعتقال الى حين اتخاذ قرار بشأن تسليمه.
ووصل النايف الى بلغاريا عام 1995 بعد تمكنه من الهروب من داخل سجون الاحتلال عام 1990، حيث حكم الاحتلال عليه بالمؤبد بتهمة قتل مستوطن في منتصف ثمانينيات القرن الماضي.
ما هو دور السفارة في اغتياله؟
ورغم أنه من المفترض حماية السفارة الفلسطينية للنايف، إلا أن السفير الفلسطيني أحمد المذبوح كان يحاول إخراجه من السفارة بأية طريقة، كما مارس عليه الكثير من الضغوط، وفق عائلة النايف، حيث كشف شقيقه حمزة النايف لـ "شهاب"، عن تقديم المذبوح لرجل الأعمال الفلسطيني هشام رشدان المقيم ببلغاريا خمسة آلاف يورو مقابل إخراج الشهيد عمر من السفارة الفلسطينية.
وأضاف النايف: "أن رشدان اشترط أن يكون الشهيد عمر موافق على إخراجه من السفارة، إلا أن الصفقة لم تتم لأن عمر يرفض الخروج من السفارة، ويبدو أن السفير تراجع ووجد خطة بديلة لإخراج شقيقي".
وتابع النايف: "بعد يومين من اغتيال عمر جاء اتصال لمبنى السفارة من السويد، يقول المتحدث فيه (لقد نفذنا المهمة ونريد بقية الحساب)، والمكالمة مسجلة لدى الشرطة البلغارية".
وجاء الكشف عن هذه المعلومات، بعد أشهر من حديث عائلة الشهيد عمر النايف أن كافة المعطيات تشير الى أن أيادِ فلسطينية قتلت الشهيد عمر داخل حرم السفارة الفلسطينية ببلغاريا.
وقال شقيق الشهيد في حديث سابق، إنه كان هناك إصرار من قبل السفارة والمخابرات الفلسطينية بإخراج عمر الى الطابق الثالث، وكان يرفض لأنه كان يشبه الغرفة في ذاك الطابق بالزنزانة".
من جهتها، اتهمت رانيا النايف أرملة الشهيد عمر، المخابرات الفلسطينية بتصفية زوجها قبل تسعة أشهر في مقر السفارة الفلسطينية ببلغاريا، مبينة أن المخابرات الفلسطينية وبالتعاون مع السفير الفلسطيني أحمد المذبوح، كانت تسعى لاخراج عمر من السفارة الفلسطينية، مبينة أنهم بذلوا جهوداً مضنية لاخراجه لأن وجوده بالسفارة يُحرج السفير "المذبوح" ويتيح للسلطات البلغارية اعتقاله.
وقالت أرملة النايف في حديث خاص لوكالة "شهاب"، إنه في يوم اغتيال الشهيد "عمر" عند الساعة الخامسة صباحاً، جاء اتصال لمسؤول أمن السفارة الفلسطينية ببلغاريا ممدوح زيدان، وقال له: "لقد فشلنا باخراج عمر من السفارة"، مُتابعةً: "هذا يعني وجود محاولة لاخراجه من السفارة قبل ساعات من استشهاده، فمن هم هؤلاء؟".
وقبل أسبوع من اغتياله، سمحت السفارة بدخول مجموعة من الأشخاص يرتدون زيًا أمنيًا لتفتيش المكان بحجة وجود قنبلة، عاين هؤلاء المكان الذي لجأ إليه النايف وفي 26 فبراير (شباط) الماضي، نُفذت عملية الاغتيال على أرض السفارة الفلسطينية ببلغاريا، بعد أن فقدت عائلة النايف الاتصال به.
وأشارت النايف الى أنه قبل أسبوعين من استشهاد زوجها، كانت برفقته في السفارة ودخل السفير "المذبوح" وممدوح زيدان وناصر العدوي ومحمد جمعة وجميعهم من المخابرات الفلسطينية، وحاولوا اخراجه من السفارة الى نقطة معينة، إلا أن الشهيد عمر طلب خطة آمنة لنقله، إلا أنهم أخبروه بعدم وجود ضمان بعد خروجه.
وأوضحت أن السفير الفلسطيني هو الأساس لكل ما حدث للشهيد عمر، متهمة اياه "بعدم حمايته وكان يشعر أن البلغاريين يريدون عمر لتسلميه لاسرائيل ولذا فإن وجوده داخل السفارة يسبب حرجاً له"، على حد قولها.
لجنتي تحقيق للسلطة .. ماذا فعلتا؟
وعقب عملية الاغتيال، قرر رئيس السلطة محمود عباس تشكيل لجنة تحقيق بإغتيال النايف، إلا أن اللجنة الأولى التي كانت برئاسة تيسير جرادات وكيل وزارة الخارجية الفلسطينية، وصلت الى نتيجة أن للسفارة دور في تنفيذ قتل الشهيد عمر، لكن وزير الخارجية رياض المالكي تدخل وأجبرهم على عدم كتابة أي تقرير يدين السفارة.
وكشف تحقيق لقناة الجزيرة القطرية، أن السفير "المذبوح" اقتحم مكان اجتماع اللجنة أثناء كتابتها للتقرير النهائي، وقال لها: "لن أكون كبش فداء"، وكان قد أخبر زوجة النايف بأن الموساد يمكنه قتل زوجها داخل السفارة في أية لحظة.
ورغم تشكيل السلطة للجنة تحقيق ثانية، بعد فشل اللجنة الأولى في الوصول لنتائج و"إخفاء الحقائق" وفق العائلة التي انسحبت من اللجنة احتجاجًا على عدم مهنية وتخصص أعضاء اللجنة المُشكلة، إلا أن اللجنة الثانية لم تصل لنتائج إذ غادرت بلغاريا دون استكمال اللقاءات حول القضية.
وفي النهاية، ثمة دلائل عدة يصفها المراقبون بـ"الواضحة"، تؤكد على أن جهات عدة تقف وراء عملية الاغتيال، أولها الاحتلال كون الشهيد مطلوبا له، وكذلك الحكومة البلغارية التي رفضت حضور ومشاركة الجانب الفلسطيني في تشريح جثمان النايف، ثم أعلنت أن الوفاة حدثت دون تدخل خارجي، فضلا عن السلطة الفلسطينية التي تمت عملية الاغتيال على أرض سفارتها.
كما أن المعلومات التي كشفت عنها العائلة حول تورط السفير المذبوح وعدد من موظفي السفارة وشخصيات فلسطينية، في الوقت الذي لم تخرج لجنتي التحقيق الفلسطينيتين بنتائج واضحة، تشير الى أن ثمة لغز حول محاولات السلطة لعدم كشف الحقيقة، ربما يكون أنها لن تفضح نفسها.