ناجي شكري الظاظا

قراءة في تراجع دور السلطة في غزة وفشلها في الضفة

خطاب رئيس السلطة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عكس ما هو متوقع من سلطة وحكومة ليس لديها برنامج سياسي يحظى بتفاعل خارجي، بل لا تحظى بدعم شعبي للتضحية من أجل بقائها، وبالتأكيد لم تعد تلق مساندة فصائيلة حتى من شركائها التاريخيين، بعد أن اتضح فساد سلوكها وتفردها في اتخاذ القرار، مع استمرار انجرافها باتجاه الاحتلال بعيداً عن الوطن ومشروعه.

الغريب أن السلطة مع كل ذلك لديها شعور واهم وتقدير خادع، بأنها تجاوزت عنق زجاجة أزماتها المتعددة! فهي تعتقد أن قرار تعطيل الانتخابات التشريعية التي كانت مقررة يوم 22 مايو 2021، وما تبعه من تداعيات داخلية وخارجية قد أصبح من الماضي، وذلك يشمل -من وجهة نظر السلطة- قضية مقتل الناشط السياسي نزار بنات، وكافة الحراكات الشعبية والنخبوية التي طالبت بمحاكمة المجرمين، وفتح ملفات تحقيق بالفساد المالي والسياسي لقيادات السلطة والحكومة، على إثر صفقة اللقاحات منتهية الصلاحية بالتعاون مع حكومة الاحتلال الإسرائيلي.

إن تراجع شعبية السلطة ناتج عن شعور المواطن بفشل مشروعها وتلاشي وعودها بالدولة والاستقرار السياسي، ووهم مشاريع التنمية الاقتصادية التي ستجلب الرفاهية للشعب الفلسطيني في حال قبل بالتعايش مع الاحتلال الصهيوني وألقى سلاحه. وهذا ما يفسر زيادة نسبة المطالبة برحيل رئيس السلطة والتي وصلت إلى 78% في آخر استطلاع أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية منتصف أيلول/سبتمبر 2021م وهو يحظى بمصداقية عالية منذ تأسيسه عام 2000م.

وبحسب الاستطلاع فإن أغلبية 63% من الجمهور الفلسطيني تقول بأن وفاة نزار بنات بعد اعتقال رجال الأمن الفلسطينيين له قد كانت أمراً مقصوداً من القيادة السياسية أو الأمنية الفلسطينية. ويقول 63% من الجمهور أنه يؤيد المظاهرات التي جرت في بعض المدن الفلسطينية مطالبة برحيل الرئيس عباس والحكومة الفلسطينية. كما أن نسبة من 69% تقول بأن الإجراءات التي قامت بها السلطة الفلسطينية في ملاحقة قتلة نزار بنات، مثل تقديم كافة رجال الأمن الأربعة عشر المشاركين في اعتقاله للمحاكمة، غير كافية. بالإضافة إلى أن نسبة من 74% تقول أن ما قامت به أجهزة الأمن الفلسطينية باعتقال المتظاهرين المطالبين بمحاكمة قتلة نزار بنات هو انتهاك للحريات والحقوق.

ولعل آخر مؤشرات اضطراب السلطة وتخبطها، هو قرار حكومة محمد اشتية تأجيل الانتخابات المحلية في غزة والتي أعلنت سابقاً عن بدء إجراءاتها في الثالث من أكتوبر 2021م. ومن الواضح جداً أن التأجيل يأتي بعد موقف الرفض الصريح من كل فصائل المقاومة والفاعلين السياسيين لإجراء انتخابية جزئية لعدم ثقتهم بالسلطة وقراراتها بالذات المتعلقة بالانتخابات والشراكة السياسية. في المقابل فإن التأجيل بعد أن أدركت السلطة أنها قد حققت هدف الإعلان عن الانتخابات المحلية باستخدامه في خطاب الرئيس في الأمم المتحدة!

إن سلوك السلطة الميداني يعكس أزمتها العميقة، والتي ستزداد تعقيداً مع وضوح الموقف الأمريكي والإسرائيلي بعدم فتح مجال لأي مشروع سياسي مرتبط بحل القضية الفلسطينية، لا على أساس أوسلو وما تبعها من مفاوضات متعثرة، ولا حتى فتح هامش من المفاوضات الشكلية؛ والتي تريدها السلطة بقوة من أجل التغطية على فشلها الميداني، أمام تصاعد شعبية مشروع المقاومة والذي وصل حد قطع الأمل بعودة السلطة إلى غزة، أو حتى منح دور سيادي للسلطة -كما كانت تتوقع- في عملية إعادة الإعمار بعد معركة سيف القدس.

لقد تولدت قناعة لدى جميع الأطراف -الدولية والإقليمية- بأن الدور الوظيفي للسلطة في مواجهة مشروع المقاومة قد فقد تأثيره، فهي جيدة -إلى حد ما- في التنسيق الأمني مع الاحتلال في الضفة، لكنها تمثل عقبة في طريق تمرير العودة إلى تفاهمات 2011 بين الاحتلال وفصائل المقاومة في قطاع غزة، وأن أدواتها الحكومية والشعبية والتنظيمية في غزة ليست إيجابية في دعم قرار الاحتلال بشراء الهدوء مقابل الاقتصاد وتثبيت وقف إطلاق النار مقابل إعادة الإعمار. وحتى مشروع يائير لبيد الذي يعتمد على مبدأ الأمن مقابل الاقتصاد على مرحلتين، فإن المرحلة الأولى تكاد تخلو من الحاجة للعمل مع السلطة في غزة.

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة