عبد الحميد صيام

ما الذي يجري في كشمير؟

عندما تقلدت الهند رئاسة مجلس الأمن الدولي لشهر أغسطس الماضي، عقد السفير الهندي، ت.س. تيريمورتي، مؤتمرا صحافيا في اليوم الأول لرئاسة بلاده للمجلس، كما جرت العادة. وقال في معرض رده على سؤال للكاتب حول ما تقوم به الهند من انتهاكات للقانون الدولي في جامو وكشمير، بعد إلغاء «الوضعية الخاصة» للإقليم بتاريخ 5 أغسطس 2019 وما إذا كانت تصرفاتها كدولة كبرى تؤهلها لمقعد دائم في مجلس الأمن. لاحظت مسحة من الغضب ظاهرة على وجه السفير، حاول إخفاءها ورد بصوت حازم وقوي قائلا: «في البداية أريد أن أطرح أمرا بكل وضوح وهو، أن جامو وكشمير جزء لا يتجزأ وأصيل من الهند، ويجب الإقرار بهذا أولا. وكل القضايا المتعلقة بإقليم جامو وكشمير تقع ضمن القضايا الداخلية للهند».
هكذا تتصرف الهند تماما مثلها مثل الكيان الصهيوني، الذي سبق الهند باعتبار الضفة الغربية بما فيها القدس جزءا لا يتجزأ من «إسرائيل». لقد تجاهل نارندرا مودي رئيس وزراء الهند، في كلمته أمام الجمعية العامة مؤخرا قضية كشمير تماما، كما تجاهل نفتالي بينيت رئيس وزراء الكيان، في كلمته كذلك أي ذكر لقضية الشعب الفلسطيني، وكأنها غير موجودة. فهناك سياسيون في هذا العالم لا يخجلون من تزوير التاريخ أمام الجميع، ظنا منهم أن التجاهل والتزوير وطمس الحقائق، ستخلق وضعا جديدا على المستوى الدولي يتقبل رواية المعتدي والآثم والظالم. وهذه الممارسة الرعناء لا تقتصر على الهند وإسرائيل فحسب، بل هناك دول عديدة غيرهما تمارس الأسلوب نفسه «علنا» وتفترض أن العالم سيصدقها. لكنني سأركز في مقالي عمّا يجري في قضية كشمير، التي تجاهلها معظم العرب والمسلمين في كلماتهم أمام الجمعية العامة، سوى حفنة أقل من أصابع اليد الواحدة وكأن المأساة غير موجودة.

كشمير والجرح النازف منذ عام 1947

إقليم جامو وكشمير غني جدا بموارده الطبيعية، وطبيعته الخلابة، وتصل مساحته إلى ست وثمانين ألف ميل مربع، ويصل عدد سكانه نحو 20 مليون موزعين بين الشطرين الهندي والباكستاني ودول الشتات. حباه الله بكل أسباب الثروة والجمال والموقع الاستراتيجي، تحت قدمي الهملايا، لكن لسوء حظ الكشميريين أنهم يقعون في منطقة استراتيجية بين دول نووية ثلاث، الصين وباكستان والهند. اختطفت الهند مقاطعة جامو وكشمير ذات الأغلبية المسلمة، بافتعال طلب الحاكم الهندي «المهراجا» عام 1946 ببقاء الإقليم مع الهند. وكان قد اتفق مع الزعيم المحلي الشيخ عبد الله الانضمام للهند، بدل الاستقلال، وأقنع السلطات الهندية أن الغالبية من السكان تريد البقاء تحت سيطرة الهند، لكن سكان الإقليم أطلقوا موجة احتجاجات ومظاهرات وراحوا يقاومون الضم بالقوة، فقامت الهند بإرسال قوات محمولة لإخماد حركة الاحتجاج، ما دعا إلى تدخل قوات قبلية وباكستانية لنصرة الكشميريين. من هنا بدأ النزاع وأدى إلى تمزق الإقليم بين الهند وباكستان. وقد سبب الإقليم ثلاث حروب بين الجارين الكبيرين، لكن الحرب المقبلة، التي تحذر باكستان من وقوعها باستمرار، كان آخر هذه التحذيرات في كلمة رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان، في الجمعية العامة الأخيرة، ستكون مختلفة تماما عن الحروب السابقة. لقد أصرت الهند على إبقاء الإقليم تحت سيطرتها، علما أن مجلس الأمن الدولي اعتمد ثلاثة قرارات في مسألة كشمير في الأعوام 1947 – 1949 تدعم حق شعب كشميرفي تقرير مصيره عن طريق استفتاء حر ونزيه، كما نص على ذلك القرار 47، الذي اعتمد في 21 إبريل 1948. كما دعا القرار 91 (1951) إلى حسم النزاع عبر محكمة العدل الدولية، لكن الهند رفضته. لقد بلغ عدد آخر القرارات المتعلقة بالمسألة الكشميرية 11 قرارا بين عامي 1948 و1951 كلها تدعو لإجراء استفتاء للسكان الأصليين، ليقرروا بأنفسهم ما إذا كانوا يريدون الاستقلال، أو الانضمام للهند أو لباكستان. لكن بقيت قرارات مجلس الأمن الدولي حبرا على ورق أمام صلف الهند، تماما مثل حليفتها إسرائيل، ولولا جهود باكستان لغابت المأساة الكشميرية عن رادار العالم.
ومع نهاية المواجهات الأولى بين الهند وباكستان، أنشات الأمم المتحدة بعثة للمراقبة لغاية أن يتم الاستفتاء، وما زالت قائمة. لقد أقرت الهند كنوع من المرونة بعد المواجهات عام 1954 اتفاقية خاصة تنص على «وضع خاص» للإقليم، بحيث يخضع لحكم ذاتي، ولا يجوز لشخص من خارج الإقليم الاستيطان فيه. وبقيت الأمور بين مد وجزر ومواجهات ووساطات إلى يوم 5 أغسطس 2019 عندما قرر برلمان الهند، الذي يسيطر عليه حزب ناردرا مودي إلغاء تلك «الوضعية الخاصة» واعتبار الإقليم جزءا لا يتجزأ من الهند.

الوضع الراهن في كشمير بعد 5 أغسطس 2019

منذ إلغاء «الوضعية الخاصة» للإقليم شرعت الهند في ضم كامل لجامو وكشمير المحتلة، فيما يسميه حزب مودي «الحل النهائي» مستعيرا كلمات النازية حول وجود اليهود. اندلعت بعد ذلك القرار في أنحاء الإقليم كافة، احتجاجات على الوضع الجديد الذي يسمح للمواطنين الهنود بالانتقال إلى المنطقة وتملك الأراضي، وبناء المعابد فنشرت الهند نحو 900000 جندي وضابط من القوات العسكرية وشبه العسكرية المتمركزة في المنطقة، وأغلقت الإقليم تماما وقطعت الاتصالات الهاتفية والإنترنت والبث التلفزيوني، وفرضت قيوداً على التنقل والتجمع والتظاهر. لقد وضعت في السجن القيادة السياسية الكشميرية بأكملها، واعتقلت ما لا يقل عن 13000 شاب كشميري وأخضعت العديد منهم للتعذيب. كما أردت مئات القتلى وآلاف الجرحى الكشميريين، واستخدم جنودها الاغتصاب كسلاح حرب على طريقة الصرب، وعملت الهند على قمع المظاهرات السلمية بالعنف والعقوبات الجماعية وهدم وحرق أحياء وقرى بأكملها، وقيدت حرية الدين والتعبير والتجمع.
لكن الأخطر في رأيي من السلاح هو العمل على تغيير النسيج الديموغرافي في الإقليم، مثلما تفعل إسرائيل في القدس، بعد إقرار قانون جديد يحق للهندي من خارج الإقليم البناء والتملك فيه. وقد أصدرت الهند في السنتين الأخيرتين 4.2 مليون شهادة إقامة لتغيير الهيكل الديموغرافي في الإقليم. إنه الابتلاع والتطهير العرقي وتحويل الأغلبية المسلمة في كشمير إلى أقلية ضعيفة مفككة مقهورة.

تقارير لجان حقوق الإنسان

لقد وثق تقريران للمفوض السامي لحقوق الإنسان لعامي 2018 رعد بن الحسين، و2019 للمفوضة الحالية ميشيل باشيليه؛ أنواع الانتهاكات كافة وبالتفصيل. وحاول المفوض السامي السابق زيد بن رعد بن الحسين، تشكيل لجنة تحقيق حول عقود من انتهاكات حقوق الإنسان على جانبي خط السيطرة في كشمير «أسفرت عن مقتل أو تدمير حياة العديد من الأشخاص» إلا أن ضغوطا عظيمة مورست على الأردن حتى اضطر أن يترك المنصب، ولا يطلب تجديد ولايته. لقد سلط التقريران الضوء على الإفلات المزمن من العقاب بشأن الانتهاكات التي ترتكبها قوات الأمن الهندية في جامو وكشمير، وتؤدي إلى معاناة الملايين من البشر. وتشرح التقارير بالتفصيل كيف أن موظفي الأمن يتمتعون بحصانة من المساءلة، وهو ما أدى إلى عرقلة التحقيقات في حالات الاختفاء القسري، ووجود مقابر جماعية، واغتصاب جماعي للعديد من النساء من قبل الجنود. إن نفاق الدول الغربية التي تدعي احترام حقوق الإنسان لا ينكشف بشكل أعظم مثلما ينكشف في كشمير وفلسطين. فجوقة الدول الغربية ومعها بعض الدول الممسوخة الهوية، ليس لها حديث الآن إلا عن نساء أفغانستان، وذرف دموع التماسيح على ضياع الإنجازات العظيمة التي قدمتها دولة الاحتلال لمدة عشرين سنة، ولم تقتل من أولادهن وأزواجهن إلا 149 ألفا.
لقد دعا القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وكل الشرائع الدولية، لممارسة الحق في تقرير المصير للدول والشعوب الخاضعة للاستعمار والاحتلال الأجنبي. إن غالبية الدول الأعضاء في الأمم المتحدة اليوم جاءت بفضل ممارسة هذا المبدأ الأساسي الذي نص عليه قرار الجمعية العامة الشهير (1514) لعام 1960. ومع ذلك، فقد حرمت بعض الشعوب من ممارسة هذا الحق مثل شعب جامو وكشمير وفلسطين، لأن دولا كبرى تقف عثرة في الطريق.
محاضر في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة رتغرز بنيوجيرسي

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة