مجزرتا خان يونس ورفح وإعدام جنود مصريين.. جزء من تاريخ الثأر الأبدي بين غزة والاحتلال

كشف الباحث في معهد "عكيفوت" لدراسة الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني، المؤرخ آدم راز، عن محاولات الاحتلال الإسرائيلي التعتيم على جرائم الحرب التي ارتكبها في قطاع غزة، بعد احتلاله لفترة قصيرة خلال العدوان الثلاثي على مصر في العام 1956.

ووثق الأديب الإسرائيلي، ماتي ميغيد، بقصة قصيرة نشرها في صحيفة "لَمِرحاف" الجرائم، التي شملت مجازر واغتصاب، ارتكبها جنود إسرائيليون في قطاع غزة، تحت أنظار حاكمها العسكري، الذي أشار إليه ميغيد بالحرف "د". وكان عنوان القصة "نهاية السيد ’د’ المريرة".

وأضاف ميغيد في قصته، قال الحاكم العسكري لضيف زاره، إنه يريد منه أن يغهم "كيف يمكن أن يتدهور شخص مثلي إلى هذه الدرجة، وأنه هو نفسه يأمر جنوده بإطلاق النار على عُزّل... ولم تُرتكب هنا أمور خطيرة أكثر من التي ارتكبت في اي مكان آخر من المنطقة المحتلة. بل على العكس. وحتى لو ارتكبت مجزرة هنا هذه الليلة، فلن نكون الأوائل... فقد حدث ذلك في الأسبوع الأول وقُتل عدة عشرات من السكان الفاقدين للحماية".

وأثار نشر هذه القصة ضجة في حينه، وحتى أن ميغيد تعرض للاعتداء، وادعى بعد ذلك أن القصة خيالية، لكنه أضاف أن "ثمة خطرا لعملية مشابهة لهذه التي شهدها ’أبطال’ قصتي في أي منطقة حكم عسكري".

ولفت راز إلى أن المؤرخة أيال كفكافي كانت أول من ذكرت قصة ميغيد في كتابها حول العدوان الثلاثي "حرب اختيارية"، الصادر في العام 1994. وأكدت كفكافي أنه ربما لأن القصة كانت قطعة أدبية، "لم تمنع الرقابة الأمنية نشرها". لكنها شددت على أن "المسافة بين الخيال والواقع لم تكن كبيرة بكل تأكيد".

وأضاف راز أنه بعد 65 عاما على الأحداث المذكورة في القصة، فإن "المصاعب التي يضعها كيان الاحتلال أمام باحثين يريدون العثور على توثيق تاريخي لجرائم حرب ارتكبت إبان الحكم العسكري القصير في قطاع غزة، من تشرين الثاني/نوفمبر 1956 وحتى آذار/مارس 1957، ما زالت كثيرة جدا".

أشار راز إلى أن جرائم حرب ارتكبها الجنود الإسرائيليون أثناء العدوان الثلاثي ذُكرت باختصار شديد، وتطرقت إلى أسرى الحرب، بينما لم تكن هناك شهادات حول أعمال اغتصاب. وفي منتصف التسعينيات، اعترف قائد الكتيبة 890 في لواء المظليين، أرييه بيرو، لصحيفة "يديعوت يروشلايم"بأنه أعدم أسرى مصريين. "أطلقت النار على أسرى في المتلة... لم يكن لدي الوقت للتعامل مع أسرى. وقتلنا من تمكنا من قتلهم".

وأضاف راز أن ما يسمى بـ"وثيقة المحاور"، التي أعدها أرشيف جيش الاحتلال، في العام 1988، هي أحد أسباب شحة الوثائق التاريخية التي يسمح بالاطلاع عليها. وهذه الوثيقة توجه سياسة كشف الوثائق التاريخية في أرشيف جيش الاحتلال وارشيف دولة الاحتلال، وخاصة تلك التي تنطوي على "حساسية أمنية، سياسية وشخصية".

ويتناول البند 3 في هذه الوثيقة منع الاطلاع على "مادة من شأنها المس بصورة الجيش الإسرائيلي كجيش احتلال يخلو من أركان أخلاقية"، ومن كشف وثائق تتحدث عن "عنف ضد سكان عرب وأعمال وحشية" وبضمنها القتل والإعدامات الميدانية والاغتصاب والسطو وعمليات نهب.

ويتطرق البند 4 إلى منع كشف "مواد متعلقة بالصراع اليهودي – العربي، الذي قد يمس بأمن الدولة اليوم أيضا". وبين الأمثلة التي يردها هذا البند "معاملة عنيفة ضد أسرى خلافا لمعادة جنيف؛ عدم الالتفات إلى رايات بيضاء". وعقب راز بأنه "عندما تكون هذه هي المقاييس التي تمنع كشف توثيق عسكري وسياسي، فليس مستغربا وجود صعوبة بالغة لتقصي سير الأحداث التاريخية".

رغم ذلك، يكشف ضباط إسرائيليون عن جرائمهم بين حين وآخر. ويروي قائد الكتيبة 128 في لواء "يِفتاح" أثناء العدوان الثلاثي، شاؤول غفعولي، في سيرته الذاتية بعنوان "قصصي حياتي"، الصادرة عام 2014، عن محادثة بينه وبين قائد كتيبة آخر: "عندما انتهت الحرب، سألني بيني، قائد الكتيبة 13، إذا تلقيت أمرا بإطلاق النار على أسرى. وأجبت بالإيجاب. وسألني ’ماذا فعلت؟’. ورويت له أنني كنت أعتزم أن أخيف وإحداث رعب من دون إطلاق النار على أسرى... وسألت بيني ’هل تلقيت أنت أيضا أمرا كهذا؟’. ’نعم! أبلغت فورا أنني لن أنفذ’". وأشار راز إلى أن "المهم في هذه المحادثة ليس رفض الضابطان تنفيذ الأوامر العسكرية وإنما أنه صدرت أوامر بقتل أسرى منذ البداية".

وكان رئيس أركان لجيش الاحتلال حينها، موشيه ديّان، قد قال خلال اجتماع للجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست، في 23 تشرين الثاني/نوفمبر 1956، أي بعد وقت قصير من انتهاء المعارك، إنه كانت هناك معاملة مختلفة مع أسرى الحرب في كل وحدة.

وأضاف أنه كانت هناك حالات تم فيها إطلاق النار على جنود مصريين رغم أنه كان بالإمكان أسرهم.

ولم يتحدث ديان عن إجراءات ضد الجنود الإسرائيليين الذين أعدموا أسرى. ولفت راز إلى أنه ليس معلوما عن حالات حوكم فيها جنود قتلوا أسرى.

كذلك فإن بروتوكول اجتماع اللجنة البرلمانية لم يعد مكشوفا في ارشيف دولة الاحتلال، لكن أقوال ديان تظهر في ملحق الرسام الأميركي جو ساكو، المرفق بروايته المصورة "ملاحظات هامشية في غزة"، الصادرة عام 2009.

مجزرتا خان يونس ورفح

اشار راز إلى أن الجمهور اليهودي في الكيان الإسرائيلي ليس مطلعا على المجازر التي ارتكبها الجيش في خان يونس، في 2 تشرين الثاني،نوفمبر 1956، وبعد تسعة أيام في رفح. وذلك خلافا للفلسطينيين الذين يحيون ذكرى المجزرتين سنويا.

وبحسب راز، فإن حصيلة الشهداء في هذه المجازر، 275 في خان يونس و111 في رفح، ليست صحيحة على ما يبدو، استنادا إلى وثائق في الارشيفات الإسرائيلية وبالإمكان الاطلاع عليها. وأضاف أن "حقيقة أن فلسطينيين قُتلوا لا شك فيها". وبحسبه، فإن "التوثيق الفلسطيني يستند بمعظمه إلى شهادات شفهية، وتوثيق موظفي الأمم المتحدة الذين تواجدوا في الميدان، وجمعه معهد عكيفوت في نيويورك، يسمح بالاطلاع على قسم من الأحداث التي دارت بعد الاحتلال".

وتابع راز أن التوثيق حيال المجازر في خان يونس قليل جدا، بينما توجد صورة أوسع حول الأحداث في رفح. ووفقا لوثائق إسرائيلية، جرت في رفح مظاهرات ضد الاحتلال الإسرائيلي، وتصاعدت بسبب إعلان رئيس حكومة الاحتلال حينها، دافيد بن غوريون، قبل يوم واحد، حول قرار الأمم المتحدة بأن على الاحتلال الانسحاب من المناطق المحتلة. وأبلغت وزارة خارجية الاحتلال سفارتها في واشنطن بأن "الجيش اضطر" إلى وقف المظاهرات "بالقوة"، وان الأمور وصلت "إلى حد إطلاق النار على الحشود" حيث استشهد 30 فلسطينيا.

وغداة هذه المجزرة، اعتقل جيش الاحتلال جميع الرجال في رفح في سن 18 – 45 عاما، واحتجزهم في حظائر، بادعاء البحث عن أسلحة. وفي اليوم التالي، 12 تشرين الثاني/نوفمبر، تم فرض حظر تجول ومنع مغادرة البيوت.

وأفاد راز بأن "تجميع الرجال في الحظائر تدهور بسرعة إلى سفك دماء". وقال قائد القوة الإسرائيلية، دافيد إلعزار، إن "الوحدة استخدمت النيران تجاه الذين حاولوا الفرار والذين يرفضون الانصياع للأوامر، ونتيجة لذلك قُتل قرابة 30 مواطنا".

وبعد ذلك قدّر أن عدد الشهداء لم يكن أكثر من 40. ولفت راز إلى شهادة مواطن من غزة أمام مندوبي الأمم المتحدة في رفح وجاء فيها أن "عمليات القتل لم تتوقف. لقد أعدموا 2000 شخص، أوقفوهم قرب الحائط وأطلقوا النار عليهم".

وبحسب راز، فإن تقارير مندوبي الأمم المتحدة حول عدد الشهداء في رفح مشابهة للعدد الذي أبلغ الإسرائيليون عنه، لكن مضمون التقارير أظهرت واقعا مختلفا. وكتب رئيس لجنة وقف إطلاق النار الإسرائيلية – المصرية، الكولونيل ر.ب. باييرد، أنه من خلال التقارير المختلفة "توصل إلى الاستنتاج أن العناية بالمواطنين كان فظا، وتم إطلاق النار على عدد كبير من الرجال بدم بارد ومن دون أي سبب".

وكتب باييرد في برقية إنه "أمروا الرجال في المدينة بالخروج من بيوتهم من أجل التفتيش وقسم منهم رفضوا تركهم. وعندما تنقل الجنود الإسرائيليين من بيت إلى آخرمن أجل إخراج الرافضين، بدأ قسم منهم بالهرب. وتم إطلاق النار باتجاههم".

وكتب جندي من لواء "غولاني" إلى صديقته، في 6 تشرين الثاني/نوفمبر، ورسالته محفوظة في أرشيف جيش الاحتلال، أن "العرب مذنبون فقط في كل هذا وسأنتقم منهم في اي فرصة. ولا أكتفي بجميع الذين قتلتهم. لقد قتلنا المئات لكن هذا ليس كافيا بالنسبة لي. وأنتقم منهم في أي فرصة، ولا تنقص فرصا، خاصة في هذه الايام التي أتواجد فيها بين ىلاف العرب. وهم يخضعون لحظر تجول وهذه فرصة رائعة لفعل كل شيء بهم. وأنا افعل ذلك ولن أكتفي حتى أعود إلى البيت. أقسمت".

وأشار راز إلى أن الصحافة الإسرائيلية لم تنشر شيئا عن هذه المجازر، باستثناء مجلة "هعولام هزيه". وطرحت عضو الكنيست من الحزب الشيوعي الإسرائيلي، إستير فيلنسكي، الموضوع في الكنيست وطالبت بوقف المجازر. ورد بن غوريون عليها زاعما أن عددا من سكان القطاع خرقوا حظر التجول وأطلقوا النار على الجيش، "وبعد عدة طلقات في الهواء، كان جنودنا مرغمين على إطلاق النار بالمشاغبين؛ وقُتل 48 وأصيب عدد أخر". ولم يتطرق إلى المجزرة في خان يونس.

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة